رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٥٩ - الفصل الخامس فى تفصيل القوى الحيوانية و ذكر الحاجة إلى كل واحد منها
على الأغذية الملائمة دلالة قوية، و لم يكن للحيوان بدّ من الغذاء، و لم يكن غذاؤه يحصل له إلا بالاكتساب، أوجبت العناية الإلهية وضع القوة الشامة فى أكثر الحيوان.
و التى تلى القوة الشامة فى المنفعة هى القوة المبصرة، و وجه منفعتها أنّ الحيوان المتحرك بالإرادة لما كان تحريكه إلى بعض المواضع كمواقد النيران، و عن بعض المواقع كقلل الجبال و شطوط البحار مما يؤدى به إلى الإضرار به، أوجبت العناية الإلهية وضع القوة المبصرة فى أكثر الحيوان.
و التى تلى القوة المبصرة فى المنفعة هى القوة السامعة؛ و وجه منفعتها أنّ الأشياء الضارة و النافعة قد يستدل بها بخاص أصواتها، فأوجبت العناية الإلهية وضع القوة السامعة فى أكثر الحيوان. على أن منفعة هذه القوة من النوع الناطق من الحيوان تكاد تفوق الثلاث. فهذا ذكر وجه منافع الحواس الظاهرة الخمس.
و لما كان أكثر الوصول إلى معرفة المنافى و الملائم إنما يكون بالتجربة، أوجبت العناية الإلهية وضع الحاسة المشتركة، أعنى القوة المتصورة فى الحيوان، ليحفظ بها صور المحسوسات؛ و وضع القوة المتذكرة الحافظة ليحفظ بها المعانى المدركة من صور المحسوسات؛ و وضع القوة المتخيلة ليستعيد بها ما يمحى عن الذكر بضرب من الحركة؛ و وضع القوة المتوهمة ليقف بها على صحيح ما يستنبطه التخيل و سقيمه ضربا من الوقوف الظنى حتى يعيده فى الذكر.
و أما وجه الحاجة إلى القوة المحركة، فلأن الحيوان لما لم تكن حاله كحال النبات فى جذب النافع من الأغذية، و دفع الضار الممانع، بل كان ذلك له بضرب من الاكتساب، احتاج إلى قوة محركة لاجتذاب النافع و دفع الضار. فإذن جميع القوى فى الحيوان إما مدركة، و إما محركة. و المحركة هى القوة الشوقية، و هى إما محركة إلى طلب مختار حيوانى، و هى القوة الشهوانية؛ و إما محركة إلى دفع مكروه حيوانى، و هى القوة الغضبية. و المدركة إما ظاهرة