رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٦٢ - الفصل السّادس فى تفصيل القول فى الحواس الخمس و كيفية إدراكها
يكون جسما متوسطا بين المبصر و المبصر، فيقوم به الضوء الخارج من العين. على أنّ هذا القول أيضا غير صحيح، و ذلك أن كل شيء من الأشياء فإنه فى القرب من منبعه أقوى، و لا سيما الضياء، فيلزم من ذلك أن يكون الجسم المبصر مهما أدنى من العين إدناء قريبا كان إدراكنا حينئذ أقوى، فإذن إذا رفعنا الجسم المتوسط فستدرك العين محسوسها، فالمتوسط الحامل للضوء لا حاجة إليه إلا بالاتفاق، و حينئذ لا حاجة للإبصار إلى خروج الضوء، و هذا كذب؛ فإذن قول أفلاطن باطل.
و أما الذين قالوا إن المدرك للمرئى هو القوة المتصورة بذاتها بانطباع صورة المحسوس فيها، فقد جعلوا الغائب كالحاضر، إذ القوة المتصورة قد توجد فيها صورة المحسوس مع غيبة المحسوس عنه، من غير أن يوصف الحى حينئذ بالإبصار بل بالتخيل و الذكر. على أن هؤلاء قد ارتكبوا شناعة أعظم من هذا، إذ جعلوا خلقة و تركيبها معطلين لا يجديان فائدة، و لا يحتاج إليهما فى الإدراك البصرى، إذ القوة المتصورة تلاقى بذاتها المحسوسات، و تكفى الطبيعة مئونة تهيئة الآلة. فإذن الصحيح أن أشباح الأشياء تمتد فى المشف إذا كان مشفا بالفعل عند إشراق المضىء عليه فلا تظهر إلا فى جسم صقيل قابل لها، كالمرايا و ما شابهها.
و فى العين رطوبة جليدية تنطبع فيها صور الأشياء انطباعها فى المرايا، و قد ركبت فيها القوة المبصرة، فإذا انطبعت فيها أدركتها. و مدركات البصر بالحقيقة هى الألوان.
و أما القوة السامعة فإنما تسمع الصوت؛ و الصوت هو حركة هواء تحسه الأذن عند انضمام جسمين صلبين أملسين انضماما سريعا، و انفلات الهواء عما بينهما و قرعه الأذن، و تحريكه الهواء المقر فى آلة السمع، فإنه إذا حركها و أثّر حركتها فى عصب السمع، أدركته القوة على شكلها. و إنما اشترطت الصلابة لأن الجسمين الرخوين لا ينفلت عنهما الهواء بل ينتشر فى فرجهما. و إنما اشترطت الملاسة لأن الأجسام الغير الملس لا ينفلت