رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٧٤ - الفصل التّاسع فى إقامة البراهين على جوهرية النفس و غناها عن البدن فى القوام على مقتضى طريقة المنطقيين
فنقيضه، و هو قولنا: إن الصورة الكلية لا تحل جسما من الأجسام صادق. فإذن الجوهر الّذي تحل فيه الصورة العقلية الكلية جوهر روحانى غير موصوف بصفات الأجسام، و هو الّذي نسميه بالنفس الناطقة. و ذلك ما أردنا أن نبين.
و من البراهين التى تدل على هذا المطلوب و تصحيحه ما أنا مبينه، فأقول: إن الجسم بذاته لا يقوم على تصور المعقولات، إذ جميع الأجسام مشتركة فى الجسم مفترقة فى التمكن من تصور المعقولات؛ فإذن إنما توصف الأجسام الحيوانية بأنها تتصور المعقولات بقوى موضوعة فيها. و هذه القوى إن كانت تتصور بذاتها بلا مشاركة الجسم فإذن هى بذاتها صالحة لأن تكون محلا للصور العقلية. و ما هذا وصفه فهو جوهر، فإذن إن كان هذا حاصلا فهى جواهر. فبيّن أن هذه القوة إنما تتصور المعقولات بذاتها لا بمشاركة الجسم، بأن نقول: إن كل ما أدرك شيئا بمشاركة الجسم فمهما تكررت عليه مدركات شاقة أدت إلى إفساده و إيراد الكلال عليه لوهى الآلة و تغيرها عن قوتها لما اعتراها من المشقة فى استعمال القوى إياها. و لذلك تضعف القوة المبصرة مهما أدمنت النظر إلى صورة الشمس، و القوة السامعة إذا تكررت وصول الأصوات القوية إليها. ثم هذه القوة، أعنى المتصورة للمعقولات كلما أدركت المعقولات الشاقة صارت على فعلها أقوى، فإذن ليس لها إلى الآلة حاجة فى إدراكها، فهى إذن مدركة بذاتها. و قد بينا أن كل قوة مدركة بذاتها جوهر، و ذلك ما أردنا أن نبين.
و من البراهين التى تدل على هذا المطلوب ما أنا مبينه، فأقول: حلول الصورة فى الجسم انفعال و قبول؛ و لامتناع كون الشيء الواحد فاعلا و منفعلا يتضح لنا أن الجسم لا يمكنه أن يلبس بذاته صورة معقولة و يخلع أخرى. و ذلك لا يخلو إما أن يكون فعلا خاصا للجسم، أو فعلا خاصا للقوة الناطقة، أو فعلا مشتركا بينهما، و قد بيّن أن الفعل لا يجوز أن تكون إضافته إلى الجسم بالتخصيص. و أقول: و لا أيضا بالشركة، إذ الجسم معاون القوة على