رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٧٠ - الفصل الثّامن فى ذكر النفس الإنسانية من مرتبة بدئها إلى مرتبة كمالها
المعانى فى ذاتها، و فى تركيب القياسات منها لا عند التصديق و لا عند التصور للاعتقادين، على ما سنوضحه بعد. و مهما استنبطت الفوائد الحسية التى تمس الحاجة إليها بالجبلة المذكورة رفضت استخدام القوى الحسية، بل كفت بذاتها جميع ما تتداولها من الأفاعيل.
و كما أن القوى الحسية إنما تدرك بتشبه من المعقول، و هذا التشبه تجريد الصورة من المادة، و الالتصاق بها، إلا أن القوة الحساسة لا تحصل الصورة الحسية بإرادة حركة و فعل منها، بل بوصول ذات المحسوس إليها إما بالاتفاق، و إما بتوسط القوة المحركة و تجرد الصور لها بإعانة الوسائط الموصلة للصور إليها، و أما القوة العاقلة فهذا الشأن فيها بالخلاف، لأنها بذاتها قد تعقل ذاتها بتجريد الصورة عن المادة مهما أرادت ثم تلصق بها؛ فلهذا قيل إن القوة الحاسة منفعلة فى تصورها ضربا من الانفعال، و القوة العاقلة فاعلة. بل لهذا قيل إن القوة الحاسة لا غنى لها عن الآلات، و لا فعل لها بالذات، و أبى إطلاق هذه القضية على القوة العاقلة. و العقل بالفعل ليس إلا صور المعقولات إذا أعدت فى ذات العقل بالقوة، و به أخرجته إلى الفعل، و لذلك قيل: إن العقل بالفعل عاقل و معقول معا.
و من خواص القوة العاقلة أن توحّد الكثير، و تكثر الواحد، بالتحليل و التركيب.
أما التكثير فكتحليل إنسان واحد إلى جوهر و جسم و مغتذ و حيوان و ناطق. و أما تأحد الكثير فكتركيبه من الجوهر و الجسم و الحيوان و الناطق معنى واحدا و هو الإنسان.
و العقل، و إن طرق فعله بمدة زمانية فى تركيب القياسات باستعمال الروية، فإن تحصيلها للنتيجة فى ذاتها التى هى ثمرة الفكر و الغاية المطلوبة لا تتعلق بزمان و لا تحصل إلا فى آن، بل ذات العقل ترتفع عن الزمان بأسره.
و النفس الناطقة إذا أقبلت على العلوم سمى فعلها عقلا، و سميت بحسبه عقلا نظريا؛ و قد أتيت على وصفه. و إذا أقبلت على قهر القوى الذميمة الداعية إلى الجربزة بإفراطها، و الغباوة بتفريطها، و التهور بثورانها، و الجبن بفتورها، و الفجور بهيجانها، و السل بخمودها،