رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٧٣ - الفصل التّاسع فى إقامة البراهين على جوهرية النفس و غناها عن البدن فى القوام على مقتضى طريقة المنطقيين
إنما تحصل الصورة فيها عند اجتماعها فهى أشياء خالية عن صورة ما يحصل فيها عند التركيب فهذه صفة أجزاء القابل، فإذن لم تقع القسمة فى الصورة الكلية بل فى قوابلها؛ و قد قيل إنه وقع فيه، و هذا خلف. فإذن قولنا لا يجوز أن تكون أجزاؤها مباينة لها فى جميع المعنى قول صادق.
و منها، و هى نتيجة المقدمتين، أن الصورة الكلية إذا أمكن أن يعتبر فيها الانقسام، فإن أجزاءها لا خالية عن كمال الصورة، و لا مستوفية لها استيفاء تاما، و كأنها أجزاء حده و رسمه.
فإذا تقررت هذه المقدمات فنقول: لا محالة أن الصورة المعقولة، و بالجملة العلم، تقتضى محلا من ذات الإنسان جوهرى الذات محله، فلا يخلو أن يكون هذا الجوهر جسما منقسما أو جوهرا غير جسم و لا منقسم. و أقول و لا يجوز أن يكون جسما؛ و ذلك أن الصورة المعقولة الكلية إذا حلت جسما فلا محالة أنه يمكن أن يعرض فيها الانقسام، على ما أوضحناه أولا.
و لا يجوز أن تكون أجزاؤها إلا متشابهة للكل من وجه، مباينة من وجه؛ و بالجملة فى كل واحد منها بعض معنى الكل. و الصورة الكلية ليس شيء منها يتركب منه و له بعض معناها إلا الأجناس و الفصول، فإذن هذه الأجزاء أجناس و فصول، فكل واحد منها صورة كلية، و القول فيها كالقول الأول. و لا محالة إما سينتهى إلى صورة أولى لا تنقسم إلى أجناس و فصول لامتناع التمادى إلى ما لا يتناهى فى أجزاء مختلفة المعانى إذا تقرر أن الأجسام تتجزأ إلى ما لا يتناهى. و معلوم أنه إن كانت الصورة الكلية لا تنقسم إلا إلى أجناس و فصول، و إن كان منها ما لا تنقسم إلى أجناس و فصول، فليس تنقسم بوجه من الوجوه فى ذاته، إذن و لا المركب منهما، إذ من المعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يتصور إلا مع تصور الحى الناطق. و بالجملة لا يمكن أن تتصور الصورة الكلية التى لها جنس و فصل إلا بتصورها جميعا. فإذن الصورة التى وصفناها أنها حلت فى الجسم لم تحل فيه و هذا خلف؛