رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٥٥ - الفصل الثّالث فى تقرير أنه ليس شيء من القوى النفسانية بحادث عن امتزاج العناصر بل وارد عليها من خارج
فواجب إذ قدمنا هذه المقدمات أن نخوض فى موضوعنا، فنقول:
إنّ النفس إنما حصلت فى الأجرام المركبة المتضادة الصور، و لا يخلو حصولها فيها من أحد الأقسام الثلاثة، لكنه ليس من القسم الأول، و إلا فهو حرارة أو برودة أو يبوسة أو رطوبة، وقع فى أيها كان نقص ما. و كيف تستعد إحدى هذه القوى أن تصدر عن نفسها الأفاعيل النفسانية مع حصول النقص التركيبى، و ما كانت شغلت به حالة كمالها و قوتها؛ بل كيف يتحرك شيء منها إلا إلى جهة واحدة فقط؛ و لما ذا وجب مقتضى الممانعة مع الحركات النفسانية حتى تورث مما نعتها كلالا، إذ تأثير شيء واحد بالذات لا يقع فيها ممانعة.
و لا هو من القسم الثانى، إذ وجود القسم الثانى من المستحيل. و ذلك أن العناصر مهما تركبت على تساوى القوى أوجب ذلك فيها بطلان جميع التأثيرات المنسوبة إلى كل واحد منهما، فلم يكن إذا خلا من المركب أن يتحرك لا إلى جهة العلو، و إلا فالحرارة غالبة و البرودة مغلوبة، و لا إلى أسفل، و إلا فالبرودة غالبة و الحرارة مغلوبة، بل و لا أن يسكن فى أحد الأحياز الأربعة، و إلا فالطبيعة الجاذبة إليها فيه، و قد قيل إن جميعها متساو فى الغلبة و المغلوبية، و هذا خلف؛ فإذن هذا الجسم لا ساكن و لا متحرك. و كل جسم أحاط به جسم فإما ساكن و إما متحرك، و هذا أيضا خلف، و ما أدى إلى الخلف فهو خلف. فقولنا: إن العناصر قد يمكن أن تتركب على تساوى القوى خلف، فنقيضه، و هو قولنا: إن ذلك ممتنع صادق. فإذن ليس حصول النفس على سبيل القسم الثانى. و قد قيل إن ما كان على سبيل القسم الثالث فهو مستفاد من خارج، فالنفس مستفادة من خارج؛ و ذلك ما أردنا أن نبين.