رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ٢٦ - فى موضوع الكتاب
«النجاة» مطابق تمام المطابقة للغرض من هذه الرسالة. ذلك أنّ الكلام فى المعاد و الأخلاق الموصلة إلى حسن المعاد يقوم على معرفة عدة أصول لا بد من الخوض فيها و تفصيلها حتى يتبين أمر المعاد و حقيقته. و هذه الأصول ليست شيئا آخر إلا معرفة النفس، و البرهان على مفارقتها البدن و اختلافها عنه، ثم إقامة الأدلة على بقائها.
لهذا السبب لم يتعرض ابن سينا لتفصيل هذا الجانب من علم النفس الّذي يعد أكثر التصاقا بالعلم الطبيعى، و نعنى به تفصيل القول فى الإحساس، و الإدراك الحسى، مما نجده مبسوطا فى «الشفاء»، و لم ينقله فى «النجاة» و لا فى هذه الرسالة.
- ٢- جرت عادة القدماء أن يبدءوا بتعريف العلم الّذي يبحثونه، فليس من الغريب أن يبدأ ابن سينا بتعريف النفس، أو فى اصطلاح المناطقة بحدّها. و لم يكن تعريف النفس مجهولا، منذ أن وضع أرسطو أركانه. و الواقع يأخذ ابن سينا تعريف أرسطو كما هو، و هو تعريف مشهور يقول فيه: «النفس كمال أول لجسم طبيعى آلى ذى حياة بالقوة».
غير أن الشيخ الرئيس يسلك إلى هذا التعريف مسلكا جديدا، فهو ينظر إلى الأجسام الطبيعية، و يقسمها من جهة القوى الفعّالة فيها قسمين: قوى تعمل فى الأجسام بالتسخير، و أخرى تفعل بالقصد و الاختيار. و الطبيعة اسم للقوة الفاعلة على سبيل التسخير فعلا أحدىّ الجهة. و النفس النباتية اسم للقوة الفاعلة على سبيل التسخير فعلا متكثر الجهة. و النفس الحيوانية اسم للقوة الفاعلة على سبيل القصد و الاختيار فعلا متكثر الجهة. أما النفس الإنسانية فهى اسم للقوة الفاعلة على سبيل القصد و الاختيار فعلا أحدىّ الجهة.
و قد يقال عن النفس إنها قوة، أو صورة، أو كمال.
فهى قوة بالنسبة إلى فعلها. و صورة بالقياس إلى المادة إن كانت ممتزجة بالمادة. و كمال بالقياس إلى النوع الحيوانى و الإنسانى.