رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ٢٧ - فى موضوع الكتاب
و لا نود أن ندخل فى مناقشة المعنى الّذي يقصده ابن سينا من الكمال الأول، فهو يختلف عن المعنى الّذي ذهب إليه أرسطو فى كتاب النفس.
و لكنا نود أن نشير إلى رأى قلّ أن يصادفه الباحث فى كتبه الأخرى، نعنى به التمييز بين النفس و العقل، فالنفس تقال «عند وجودها فعالة فى جسم من الأجسام»، «أما إذا فارقت فالأشبه أن تسمى العقل».
مهما يكن من شيء، فإن الصلة بين النفس و العقل صلة دقيقة غامضة، و قد نجد اضطرابا عند ابن سينا نفسه حين يجعل العقل قوة من قوى النفس، و حين يحدثنا فى مكان آخر [١] أن العقل فاض عن الأول، ثم فاضت عنه النفس، فكأنه يذهب مذهب أفلوطين حين يقدم العقل على النفس.
و لكن الأرجح فى مذهب ابن سينا هو أن العقل قوة من قوى النفس، و أن النفس عند مفارقتها البدن قد تسمى نفسا، و لكن الأصح أن يقال عنها العقل.
و القوى النفسانية هى القوى ذاتها التى ذهب إليها أرسطو من قبل، و هى ثلاث:
النباتية، و الحيوانية، و الإنسانية. و وظائف النباتية التغذى و النمو و التوليد؛ و الحيوانية إدراك الجزئيات و التحرك بالإرادة؛ و تختص النفس الإنسانية [٢] بأنها تدرك الكليات، و تفعل الأفاعيل بالاختيار الفكرى و الاستنباط بالرأى.
و لما كان غرض ابن سينا من هذا الكتاب البحث فى النفس الإنسانية بوجه خاص، و معرفة بقائها و معادها، فلذلك أشار فى إيجاز إلى النفس النباتية و قواها و وظائفها، و كذلك أوجز القول فى حركة الحيوان، و لكنه أطنب فى وصف القوى المدركة، و وقف عند القوى الباطنة وقوفا طويلا لأن بعضها- و بخاصة المتخيلة- لها أثر كبير فى تفسير البنوة و كثير من الظواهر النفسية الأخرى.
[١] رسالة فى النفس الناطقة- نشرها ثابت الفندى.
[٢] انظر ما نشرته فى عدد الثقافة الخاص بابن سينا مارس ١٩٥٢ عن التمييز بين الحيوان و الإنسان.