رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٧٥ - الفصل التّاسع فى إقامة البراهين على جوهرية النفس و غناها عن البدن فى القوام على مقتضى طريقة المنطقيين
إحلال صورة ما فى ذاته و خلع صورة عن ذاته، إذ علم أن الجسم مع القوة يصيران موضوعين لهذه الصورة الحاصلة. و الموضوع لا يوسم إلا بالانفعال المجرد، و كلا هذين فعلان، فإذن هذا الفعل خاص إلى القوة، و كل شيء لم يحتج فى فعله الصادر عن ذاته إلى شيء يعينه، فلن يحتاج فى قوام ذاته إلى شيء يعينه، إذ الانفراد بقوام الذات يتقدم الانفراد بإصدار الفعل بالذات. فإذن هذه القوة جوهر قائم بذاته. فإذن النفس الناطقة جوهر.
و من البراهين الدالة على صحة هذه الدعوى ما أنا مبينه، فأقول: لا شك أن الجسم الحيوانى و الآلات الحيوانية إذا استوفين سن النمو و سن الوقوف أخذت فى الذبول و التنقص و ضعف القوة و كلال المنة، و ذلك عند الإنافة على الأربعين سنة. و لو كانت القوة الناطقة العاقلة قوة جسمانية آلية لكان لا يوجد أحد من الناس فى هذه السنين إلا و قد أخذت قوته هذه تتنقص؛ و لكن الأمر فى أكثر الناس على خلاف هذا، بل العادة جرت فى الأكثر أنهم يستفيدون ذكاء فى القوة العاقلة و زيادة بصيرة. فإذن ليس قوام القوة النطقية بالجسم و الآلة، فإذن هى جوهر قائم بذاته، و ذلك ما أردنا بيانه.
و من البراهين على صحة هذه الدعوى أن من البيّن أن ليس شيء من القوى الجسمانية له قوة على أفاعيل غير متناهية، و ذلك لأن قوة نصف من ذلك الجسم لا محالة توجد أضعف من قوة الجميع، و الأضعف أقل تقويا عليه من الأقوى، و ما قل من غير المتناهى فهو متناه، فإذن قوة كل واحد من النصفين متناهية، فإذن مجموعهما متناه، إذ مجموع المتناهيين متناه، و قد قيل إنه غير متناه، و هذا خلف. فإذن الصحيح أن قوى الأجسام لا تقوى على أفاعيل غير متناهية. ثم القوة الناطقة تقوى على أفاعيل غير متناهية، إذ للصور الهندسية و العددية و الحكمية التى للقوة النطقية أن تفعل فيها أفعالا ما غير متناهية؛ فإذن القوة النطقية ليست قائمة بالجسم، فهى إذن قائمة بذاتها و جوهر بذاتها. ثم من البيّن أن فساد أحد الجوهرين المجتمعين لا يقتضي فساد الثانى، فإذن موت البدن لا يوجب موت النفس. و ذلك ما أردنا أن نبين.