رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٧٧ - الفصل العاشر فى إثبات جوهر عقلى مفارق للأجسام يقوم للنفوس البشرية مقام الضوء للبصر و مقام الينبوع و إثبات أن النفوس إذا فارقت الأجساد اتحدت به
غير جسم، و لا فى جسم، قائم بذاته. فإذن هذا الفيض الّذي تتصل به النفس جوهر عقلى لا جسم و لا فى جسم قائم بذاته يقوم للنفس الناطقة مقام الضوء للبصر. إلا أنّ الضوء يفيد البصر القوة على الإدراك فقط، لا الصورة المدركة. و هذا الجوهر يفيد بانفراد ذاته القوة الناطقة القوة على الإدراك، و تحصل فيه الصور المدركة أيضا، كما أوضحناه. و إذا كان تصور النفس النطقية للصور الناطقة كما لا له، و حاصلا عند الاتصال بهذا الجوهر، و كانت الأشغال البدنية من فكرها و أحزانها و فرحها و أشواقها تعوق القوة عن الاتصال به فلا تتصل به إلا برفض جميع هذه القوى و تخليتها، و ليس شيء يمنعها عن دوام الاتصال إلا البدن، فإنها إذن إذا فارقت البدن لم تزل متصلة بمكمله و متعلقة به. و ما اتصل بمكمله و تعلق به أمن من الفساد، لا سيما إذا كان مع الانقطاع عنه لا يفسد. فإذن النفس بعد الموت تبقى دائما غير مائتة متعلقة بهذا الجوهر الشريف، و هو المسمى بالعقل الكلى، و عند أرباب الشرائع بالعلم الإلهي. و أما القوى الأخر كالحيوانية و النباتية، فلما كان ليس شيء منها يفعل فعله الخاص إلا بالبدن، فإذن لا تفارق الأبدان البتة، بل تموت بموتها، إذ كل شيء قائم لا فعل له فهو معطل، و ليس شيء فى الطبيعة معطل. إلا أن النفس النطقية قد استفادت بالاتصال بها صفوتها و تركت عليه القشور، و لو لا ذلك لما استعملتها فى بصر. فإذن النفس الناطقة سترحل بلباب القوى الأخر بعد الممات. فقد بيّنا القول فى النفوس، و أنّ أى النفوس هى الباقية، و أيها تسعد بالبقاء.
و بقى علينا مما يتصل بهذا البحث بيان كيفية وجود النفس فى الأبدان، و الغرض الّذي لأجله وجدت فيها، و ما ينالها فى الآخرة من اللذة الأبدية، و العقاب السرمدى، و العقاب الزائل بعد مدة تأتى على مفارقة البدن، و الكلام على المعنى الموسوم عند أرباب الشرائع بالشفاعة، و على صفة الملائكة الأربعة، و حملة العرش.
و لو لا أن العادة جرت بإفراد هذا البحث عن البحث الّذي نحن بسبيله