رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٤٨ - مقدمة ابن سينا
الحكماء يقول على وفاق قولهم: من عجز عن معرفة نفسه، فأخلق به أن يعجز عن معرفة خالقه. و كيف يرى الموثوق به فى علم شيء من الأشياء بعد ما جهل نفسه.
و رأيت كتاب اللّه تعالى يشير إلى مصداق هذا بقوله عز و جل فى ذكره البعداء عن رحمته من الضالين: «نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ». أ ليس تعليقه نسيان النفس بنسيانه تنبيها على تقرينه تذكره بتذكرها، و معرفته بمعرفتها.
و قرأت فى كتب الأوائل أنهم كلّفوا الخوض فى معرفة النفس بوحى هبط عليهم ببعض الهياكل الإلهية يقول: «اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربك». و قرأت أن هذه الكلمة كانت مكتوبة فى محراب هيكل أسقلبيوس، و هو معروف عندهم فى الأنبياء، و اشتهر من معجزاته أنه كان يشفى المريض بصريح الدعاء، و كذلك كل من تكهن بهيكله من الرهابين، و منه أخذت الفلاسفة علم الطب.
فرأيت أن أعمل للأمير كتابا فى النفس على سنة الاختصار.
و أنا أسأل اللّه تعالى أن يطيل بقاءه، و يصون عن العين حوباءه، و ينعش به الحكمة بعد ذبولها، و ينضرها بعد خمولها، و يجدد دولتها بدولته، و يؤيد أيامها بأيامه، ليعم بمكانه النفع بمكان أهلها، و يغزر عدد طالبى فضلها؛ و ما توفيقى إلا باللّه، و هو حسبى و نعم المعين.
و جعلت الكتاب فصولا عشرة:
الفصل الأول: فى إثبات القوى النفسانية التى شرعت فى تفصيلها و إيضاحها.
الفصل الثانى: فى تقسيم القوى النفسانية الأولى، و تحديد النفس على الإطلاق.
الفصل الثالث: فى أنه ليس شيء من القوى النفسانية حادثا عن امتزاج العناصر الأربعة، بل وارد عليها من خارج.
الفصل الرابع: فى تفصيل القول فى القوى النباتية، و ذكر الحاجة إلى كل واحدة منها.