رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ٣٩ - فى موضوع الكتاب
و ليست المتخيلة كافية وحدها فى مشاهدة الصور، بل لا بد من استعراضها فى صفحة «فنطاسيا»، و فى ذلك يقول الشيخ: «قد تأخذ المتخيلة تلك الأحوال و تحاكيها، ثم تستولى على الحسية حتى تؤثر فى فنطاسيا، فتطبع فيها تلك الصور، فتشاهد صور عجيبة، و أقاويل إلهية مسموعة لتلك المدركات الوحيية».
و الدليل على انطباع المتخيّل فى فنطاسيا «مشاهدة المجانين ما يتخيلون، و إخبارهم بالأمور الكائنة». و ليس كل إدراك لعالم النفس الأعلى شاذا و مرضا كما يحدث للمجنون، بل منه إدراك سليم، إلا أن المتخيلة كى تفعل فعلها التام لا بد أن يبطل عمل الحس، و أن تتجه نحو عالم العقل، أو يبطل عمل العقل، و ذلك يكون فى أحوال ثلاث:
الأولى عند النوم، حيث يقاوم العقل، فتحضر الصور كالمشاهدة.
الثانية إذا فسدت المتخيلة فتتخلص من سياسة العقل و تمعن فى أفاعيلها، كالحال فى الجنون و المرض، و عند الخوف.
الثالثة عند فساد الحس كالحال عند الصرع و الغشى، فيسهل انجذاب المتخيلة مع النفس الناطقة و ابتعادها عن الحس، فيطلع العقل العملى على أفق عالم النفس الأعلى، فيشاهد ما هناك، و يخبر بالأمور المستقبلة.
هذه هى خلاصة رأى ابن سينا فى تفسير النبوة و الرؤيا فى هذا الكتاب. و كلامه فى هذه الرسالة غامض بعض الشيء، أما فى رسالة المبدأ و المعاد التى كتبها لأبى أحمد محمد بن إبراهيم الفارسى، فكلامه فى غاية الوضوح، و لو أنه لا يخرج عما هو مذكور هاهنا. و نحن ننقل إليك فقرة واحدة من تلك الرسالة يصرح فيها ابن سينا بأن القوة البنوية تابعة للقوة العقلية لا للتخيل، حتى ننفى عنه تلك التهمة التى شاعت عنه بالباطل. قال: «القوة النبوية لها خواص ثلاث، الواحدة تابعة للقوة العقلية، و ذلك أن يكون هذا الإنسان بحدسه القوى جدا من غير تعلم مخاطب من الناس له، يتوصل من المعقولات إلى الثانية فى أقصر الأزمنة لشدة اتصاله بالعقل الفعّال. أما أنّ هذا، و إن كان قليلا نادرا، فهو ممكن غير ممتنع، فبيانه مما أقول ...»