رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ٣٦ - فى موضوع الكتاب
وجود النفس قبل البدن، لأن النفس تحدث عند حدوث الأبدان و تهيئها مع الإفاضة من العلل المفارقة، فكل بدن يستحق بذاته نفسا. و يضيف إلى هذا الدليل دليلا نفسانيا جديدا، و هو أن كل حيوان يشعر بنفسه نفسا واحدة هى المصرفة و المدبرة. يريد أن يقول إذا سلمنا بالتناسخ، وجب أن يكون نفسان فى بدن واحد، الأولى المتناسخة، و الثانية الحادثة مع حدوث البدن الملائم، و لما كان الإنسان لا يستشعر نفسه إلا نفسا واحدة، فلا تناسخ.
و قد فصّل هذا الكلام الموجز فى كتاب آخر، هو رسالة الأضحوية [١].
- ٦- أخطر ما فى هذه الرسالة هو الفصل الثالث عشر الخاص بالنبوة، و قد بيّنا أن هذا الفصل بأكمله ليس موجودا فى «النجاة»، و قلنا لعل الناسخ أضاف إلى الرسالة الفصل الأخير الّذي يحذر فيه من اطلاع من ليس أهلا للعلم بسبب الكلام فى النبوة. و مع ذلك فنحن نجد لابن سينا الآراء الخاصة بالنبوة و تفسيرها نفسانيا فى رسالتين، إحداهما مطبوعة، و هى رسالة الفعل و الانفعال [٢]، و الأخرى فى المبدأ و المعاد [٣]. و لعله أودع هذه الآراء رسائل أخرى مما لم يتيسر لنا الاطلاع عليه لأنها لا تزال مخطوطة.
أما الأصول التى يعتمد عليها ابن سينا فى تفسير النبوة فهما أصلان، الأول خارج عنا، و الثانى فى أنفسنا. أما الأصل الأول فهو أن العالم الأرضى بما فيه من كليات و جزئيات مرتسم فى العالم السماوى. و يرجع الأصل الثانى إلى قوة العقل النظرى الّذي يتصل بالكليات، و إلى التخيل مع العقل العملى الّذي يتصل بالجزئيات.
يقول ابن سينا فى هذه الرسالة إن المحرك للحركات السماوية جوهر نفسانى يتعقل الجزئيات، لأن حركتها جزئية و اختيارية، فالمحرك لها مدرك للجزئيات.
[١] الأضحوية- نشر سليمان دنيا- مطبعة الاعتماد ١٩٤٩- ص ١٨- ٩٣.
[٢] طبع حيدرآباد الهند ١٣٥٣ ه.
[٣] ينوى الأستاذ شارل كوينتز طبعها، و قد اطلعت على النسخة المخطوطة.