رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ٣٨ - فى موضوع الكتاب
لأن العقل البشرى قد يتصل دفعة بالعقول المفارقة فيطلع على الأمور الكائنة و المستقبلة فى هذا العالم. و لكن هذا الاتصال قليل الحدوث، و الأغلب أن يتم الاتصال بواسطة التخيل و العقل العملى. و بذلك ينقسم الناس طبقات، بحسب قوة اتصالهم. و يرجع ذلك إلى ترتيب القوى النفسانية و اتجاهها إلى الأعلى أو الأدنى. و أعلى القوى العقل النظرى ثم العملى، ثم التخيل، ثم الحس. فالمستغرقون فى الحس لا يطلعون على شيء؛ و بعض النفوس يضعف فيها التخيل؛ و بعضها الآخر تكون أقوى لأن القوة العملية تجذبها عن التخيل إلى جهتها العالية.
على أن المحور فى تفسير هذه الظواهر الغريبة، كالوحى، و الرؤيا، و الهلوسة و غير ذلك، هو التخيل.
و المتخيلة هى القوة النفسانية التى تعرض الصور مرتبطة بعضها ببعضها الاخر، بحيث ينتقل المرء من صورة إلى صورة أخرى شبيهة أو مضادة. و هذا هو قانون ترابط المعانى الّذي فطن إليه أرسطو من قبل. و قد اعتمد عليه ابن سينا فقال: إن اليقظان قد يرى فى اليقظة صورا متتابعة مترابطة، و هو ما نسميه فى لغة علم النفس حديثا بأحلام اليقظة «Day dreams و ليس عند ابن سينا فى حد بين الصور المتتابعة فى أحلام اليقظة، و الصور الحادثة فى الأحلام، لأن أساسها واحد هو قانون تداعى المعانى. و لذلك يستطيع المعبر، أو مفسر الرؤيا، أن يعبر الأحلام بأن يتتبع الصور واحدة بعد أخرى حتى يبلغ الصورة الأولى، أى «حتى يبلغ ما شاهدته النفس حين اتصالها بذلك العالم» و يسمى ذلك التعبير تحليل بالعكس.
الأصل فى الأحلام أن التخيل فى النوم يتصل بالعالم الأعلى فيشاهد صورا، ثم يأخذ فى تركيب صور أخرى مشابهة لها.
و هناك طبقة من الناس «تستثبت ما نالته هناك، و يستقر عليه الخيال، و هذه هى الرؤيا التى لا تحتاج إلى تعبير».
و طبقة أقوى من السابقة «تتصل فى حال اليقظة بشدة قوتهم المتخيلة، و عدم استغراقهم فى الحس».