رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ٣٤ - فى موضوع الكتاب
- ٥- هل النفس موجودة قبل البدن، ثم تهبط إليه، كما قال فى العينية؟
الحق أنّ مطلع قصيدة النفس، الّذي يقول فيه «هبطت إليك من المحل الأرفع و رقاء ...» إما أن يكون على سبيل الرمز، فتفسر الورقاء تفسيرا غير مادى، و إما أن تكون القصيدة كلها لغير ابن سينا، كما شك أحمد أمين بك فى نسبتها إليه [١]، لعلو نظمها بالقياس إلى قصائده الأخرى. و إذا نحن شككنا فى أمر القصيدة العينية، فإنما يقوم شكنا على أساس آخر، هو مخالفة ما جاء فيها من آراء أساسية مع ما نجده فى هذه الرسالة و فى غيرها.
فالنفس، فى هذا الكتاب، حادثة مع حدوث البدن، و لم تكن موجودة وجودا سابقا ثم هبطت إلى البدن و ألفت جواره.
ذلك أنها إن كانت موجودة قبل البدن، فإما أن تكون واحدة، أو كثيرة بعدد الأبدان التى تحل فيها.
و ليست النفس واحدة، لأنه إذا حصل بدنان، حصل فى البدنين نفسان و تنقسم بذلك النفس الواحدة، و هذا ظاهر البطلان، أو تكون النفس الواحدة فى بدنين فى آن واحد، و هذا لا يحتاج إلى تكلف فى إبطاله. و عندنا أن هذا البرهان شبيه بالنقد الموجود فى محاورة «بارمنيدس» لنظرية المثل و حلولها فى الأجسام الجزئية.
و ليست النفس متكثرة بحسب عدد الأبدان، ذلك لأن النفس «ماهية فقط»، و الماهية أو الصورة واحدة لا تنقسم.
الخلاصة أنّ النفس تحدث كلما يحدث البدن الصالح لاستعمالها إياه، و يكون ذلك البدن مملكتها و آلتها.
[١] انظر عدد مجلة الثقافة الخاص بابن سينا.