رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ٣٢ - فى موضوع الكتاب
الكليات عن الجزئيات المحسوسة بالتجريد. و لكنه ما يكاد يبلغ الفصل الرابع عشر الخاص بزكاء النفس، حتى يجد كلاما آخر يخالف هذا الكلام. فالأصل فى كسب المعقولات إما «الحدس» و إما «التعليم»، و هو يريد بالتعليم ما يتلقاه المرء و يحفظه عن غيره. و مبادئ التعليم الحدس، فلا غرابة أن ينتهى التعليم إلى صاحب الحدس. و شروط صاحب الحدس أن يكون شخصا «مؤيد النفس بشدة الصفاء، و شدة الاتصال بالمبادئ العقلية حتى يشتعل حدسا، أى قبولا لإلهام العقل الفعال، فترتسم فيه الصور ارتساما عقليا لا تقليديا».
هذه هى الفلسفة «الإشراقية» التى يمتاز بها ابن سينا. و هى التى تعبر عن فلسفته أصدق التعبير، و هى التى ارتضاها لنفسه فى آخر حياته. فإذا كان قد سلك مسلك «المنطقيين» أو «المشائين» أو «التجريبيين» و ذهب إلى إمكان تحصيل المعرفة الكلية بعد النظر إلى الجزئيات المحسوسة، فإنه قد عدل عن هذا الطريق، و آثر طريق الفيض و الاتصال و الإشراق.
على أنه فى ذلك الفصل السادس الّذي تحدث فيه عن حاجة النفس إلى البدن، يخبرنا أنها ترجع إلى الجزئيات «لاقتناص هذه المبادئ» حتى لا تحتاج بعد ذلك إلى البدن، بل يضرها الرجوع إليه. و لا يعنى ذلك أن هذه المبادئ مكتسبة من عالم العقل بطريق الحدس و الإلهام، بل معناه أن النفس بعد كسبها المعقولات الكلية تصبح مستفادة و مستقرة، فلا حاجة إلى الرجوع مرة ثانية إلى الجزئيات لاكتسابها.
مهما يكن من شيء فإن هذا الجانب التجريبى من فلسفة ابن سينا يثير مشكلات عويصة اختلف فى شأنها المفسرون [١]. و الّذي دفع ابن سينا إلى هذا الاضطراب، و إلى إيثار الجانب الإشراقى هو محاولة تفسير الظواهر الدينية النفسانية، مثل وجود النبي و وظيفته، و بقاء النفس بعد فناء البدن، و معادها بعد ذلك، و سعادتها و شقاوتها فى المعاد.
[١] انظر ما كتبناه فى مجلة ريفى دى كير عدد ابن سينا بعنوان: نظرية المعرفة، و قد عرضنا فيه لرأى مصطفى بك نظيف و اعترضنا عليه.