شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٠ - المسألة الثالثة فى تفسير الممكن
الخامس: هو أن الشىء لو كان ممكنا، لكان ذلك الامكان اما أن يكون عدما محضا و نفيا صرفا، و أما أن يكون أمرا موجودا. و الأول باطل، لأنه لا فرق بين أن يقال: لا امكان، و بين أن يقال: الامكان عدم محض و نفى صرف. و الثاني باطل لوجوه:
أحدها: أن يقال: الامكان صفة للممكن و مفتقرة اليه. و كل ما كان كذلك فهو ممكن، فيكون امكانه زائدا عليه. فيلزم التسلسل. و هو محال.
و ثانيها: أن ثبوت الامكان للممكن ضرورى، فلو كان الامكان صفة موجودة. لكان قيام هذه الصفة الموجودة بتلك الماهية ضروريا لذاته، و كون المحل موجودا، شرط قيام الصفة الموجودة به، لامتناع قيام الصفة الموجودة بالمحل المعدوم، و ما كان شرطا للواجب بذاته، أولى أن يكون واجبا لذاته. فيلزم أن يكون الممكن بذاته واجبا لذاته. و هو محال.
و ثالثها: ان الامكان لو كان أمرا موجودا، لكان ممكن الوجود لذاته، و حينئذ لا يكون الممكن لذاته موجودا واحدا، بل موجودين. ثم يكون واحد ممكنا لذاته، فيكون كل واحد منهما لا يكون شيئا واحدا بل شيئين. و بهذا الطريق يصير ذلك الشىء الواحد أربعة أشياء، و كذا القول فى كل واحد منهما، فيلزم أن لا يكون الشىء الواحد شيئا واحدا بل أشياء غير متناهية هذا خلف.
و الجواب عن السؤالين الأولين من وجهين:
الأول: هو أن اعتبار ماهية الشىء من حيث هى هى غير، و اعتبار ماهيته مع الوجود أو مع العدم، و مع وجود السبب أو مع عدمه غير.
و نحن نسلم أن اعتبار ماهيته مع الوجود تقتضى الوجوب، و مع العدم تقتضى الامتناع. أما اعتبار الماهية من حيث انها هى لا تقتضى الوجوب و لا الامتناع. و ذلك هو الامكان. و هذا الجواب انما يصح مع القول بأن الوجود غير الماهية.