شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٣٨ - المسألة الثانية فى اثبات السعادة الروحانية
و أركان و طول و عرض و عمق و أنها غير مفارقة فى هذا العالم لغيرها، مما يجرى عليه حكم الطول و العرض و العمق، و كل واحد منهما يجمعهما صفة الحد و النهاية ١٢- أن النفس موصوفة بما وصفها هؤلاء الذين قدمنا ذكرهم من معنى الحدود و النهايات الا أنها غير مفارقة لغيرها، مما لا يجوز أن يكون موصوفا بصفة الحيوان. ١٣- و حكى الحريرى عن جعفر بن مبشر: أن النفس جوهر ليس هو هذا الجسم، و ليس بجسم، لكنه معنى باين الجوهر و الجسم ١٤- و قال آخرون: النفس معنى غير الروح، و الروح غير الحياة، و الحياة عنده عرض. و هو «أبو الهذيل» و زعم: أنه قد يجوز أن يكون الانسان فى حال نومه، مسلوب النفس و الروح، دون الحياة.
١٥- و قال جعفر بن حرب: النفس عرض من الأعراض، يوجد فى هذا الجسم، و هو أحد الآلات التي يستعين بها الانسان على الفعل، كالصحة و السلامة، و ما أشبههما، و أنها غير موصوفة بشيء من صفات الجوهر و الأجسام ١٦- و قالت طائفة: النفس هى النسيم الداخل و الخارج بالتنفس. قالوا: و الروح عرض، و هو الحياة فقط، و هو غير النفس- و هذا قول القاضى أبو بكر بن الباقلانى، و من اتبعه من الاشعرية- و نقل «ابن حزم» عن «ابن الباقلانى» أنه قال: «كان محمد رسول اللّه، و ليس هو الآن رسول اللّه» و غرضه من قوله «كان محمد رسول اللّه» هو أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم بشر كسائر البشر غير أنه مكرم و معظم بالنبوة و الرسالة. و لأن البشر اذا ماتوا، تموت معهم أرواحهم- لأنها أعراض تفنى و لا تبقى زمانين- و محمد صلّى اللّه عليه و سلّم اذا كان بشرا و قد مات، فان روحه تكون قد ماتت. و ليس هو فى قبره بحى يرزق، حتى يقال: انه من بعد موته- لحياته فى قبره- رسول اللّه. فهو كان رسول اللّه من قبل موته.
أما الآن و لا روح له موجودة. فليس هو برسول اللّه. لأنه لا يكلم الناس من فمه. و نرد على «ابن الباقلانى» بالرسالة على سبيل المجاز. أى أن القرآن الذي يتلى الآن- و لسوف تستمر تلاوته- هو كلام محمد- عن وحى اللّه- و هو رسالته. و طالما يتلى، فكأن صاحبه- الذي بلغه للناس- حي. فهو رسول اللّه بمعنى أن رسالته باقية و قرآنه ينوب عنه فى مخاطبته للبشر. أما أن روحه باقية أو غير باقية. فانه يقل لابن الباقلانى: اذا نفيت عن الوجود رأسا روح محمد صلّى اللّه عليه و سلّم من بعد موته.