شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٧٣ - المسألة الثانية فى تحقيق الكلام فى قولنا الجوهر موجود لا فى موضوع
- «الفرس و راكبه طرحهما فى البحر» أى الجندى و حصانه غرقا فى اليم معا.
و فى سورة الشعراء محاورة جرت بين موسى و فرعون. و فيها:
أن فرعون لما استولى على أرض مصر، و راى اليهود فيها غرباء. و بعد مدة جاءه موسى ليقول له: «أن أرسل معنا بنى اسرائيل» ظن أن طلبهم موسى هو ليعود بهم بعد مدة ليطرده من أرض مصر. و لما أكد له موسى أن ظنه باطل، لأنه يهدف الى اقامة دين «قال فرعون: و ما رب العالمين»؟
أى ما هى الماهية و الحقيقة لهذا الاله؟ «قال: رب السماوات و الأرض و ما بينهما. ان كنتم موقنين» و عندئذ اندهش فرعون، و «قال لمن حوله.
أ لا تستمعون؟» أى أنه يريد تغيير الآلهة التي جئنا الى هاهنا بحجة هى رعايتها و التمكين لها. و قد أزال موسى استغرابه بقوله: «ربكم و رب آبائكم الأولين» و عندئذ رد فرعون على موسى بأنه مجنون، و هو يخاطب الملأ بقوله: «ان رسولكم الذي أرسل اليكم لمجنون» يعنى أن موسى يؤكد على أنه يريد دولة دينية، و الحال أننى لو سلمت له بما يريد، لخلعنى أنا من الملك. و لو كان عاقلا لعلم أننى راغب فى الملك، و لن أتركه. و لقد رد عليه موسى بأن الأرض للّه، و هو «رب المشرق و المغرب و ما بينهما» و لو أراد لفرعون أن يبقى فسيبقى، و لو أراد له أن لا يبقى، فلن يبقى. و عندئذ قال له فرعون: «لئن اتخذت إلها غيرى» أى خضعت لملك آخر، أو تعاونت معه «لأجعلنك من المسجونين» فالصراع فى ظن فرعون كان هو صراعا على ملكية أرض مصر. و لكى يظهر موسى كاذبا طلب منه معجزات خارقة للعادة، فأظهر أمامه العصا و اليد البيضاء.
كان يلقى موسى عصاه على الأرض، فتنقلب الى ثعبان من لحم و دم.
و السبب فى أنها كانت معجزة: أن الثعبان كان يعبد فى ذلك الزمان فى أرض مصر، فأراد اللّه تعالى أن يبين للمصريين بأنه يوجد إله يخلق الثعبان الذي يعبدوه، و يتحتم عليهم أن كانوا عقلاء أن يعبدوا الخالق و يتركوا عبادة المخلوق. و قد ظهر أثناء فتح تابوت توت عنخ آمون أن رأسه كان متجها نحو الغرب، و كان رسم ثعبان على شمال جثته المحنطة.
و الاكليل الذي كان على رأسه، كان عليه رسم الثعبان. و كانوا يسمونه «الصل» أى الأفعى و هو رمز للسلطان لدى الفراعنة، و كانوا يضعونه على جباههم.