شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٣ - المسألة الثانية فى تحقيق الكلام فى قولنا الجوهر موجود لا فى موضوع
و شبيه بهذه المسألة: مسألة ايمان فرعون.
١- ففى القرآن نص على أن فرعون و ملأه لا يؤمنوا، حتى يروا العذاب الأليم، و اذا رأوا العذاب الأليم و آمنوا، فان اللّه يقبل منهم الايمان.
و فى القرآن نص على أن فرعون لما رأى العذاب الأليم، آمن.
و اذا ثبت ايمانه، يثبت: أن اللّه قبل منه الايمان. فكيف يقال: ان فرعون مات كافرا، و قد حكى اللّه عنه أنه قال: «آمنت» و حكى أنه استجاب دعوة موسى عنه و عن ملأه، و هى: أنهم لا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؟
و هذه المسألة لا تخضع للمحكم و المتشابه. فالكلام فيها خال من موهم التعارض. و هذا هو النص بتمامه: «و قال موسى: ربنا انك آتيت فرعون و ملأه زينة و أموالا فى الحياة الدنيا. ربنا ليضلوا عن سبيلك؟
ربنا اطمس على أموالهم و اشدد على قلوبهم. فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. قال: قد أجيبت دعوتكما. فاستقيما. و لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون. و جاوزنا ببني اسرائيل البحر، فأتبعهم فرعون و جنوده بغيا و عدوا. حتى اذا أدركه الغرق، قال: آمنت. أنه لا إله الا الذي آمنت به بنو اسرائيل. و أنا من المسلمين. الآن. و قد عصيت قبل و كنت من المفسدين. فاليوم ننجيك ببدنك، لتكون لمن خلفك آية. و ان كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون» (يونس ٨٨- ٩٢) هذا هو النص. و منه يفهم أن موسى عليه السلام طلب من اللّه تعالى أن يقسى قلوبهم لئلا يؤمنوا الا بعد معاينة عذاب أليم. و قد دخل فرعون فى الطلب، و قسى اللّه قلبه، و لما عاين العذاب و هو غرق جنوده، و كاد هو أن يغرق، لأن الغرق أدركه. لما عاين العذاب، نطق بأنه لا إله إلا اللّه و موسى رسول اللّه. و قد دخل بنطقه تحت قوله «فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم» أذن قبل اللّه منه الإيمان. فالله تعالى لم يرد عليه بقسوة. بل رد عليه بتوبيخ و سخرية و قال له: «الآن»؟
و قد رأيت دلائل قدرتنا من قبل، فى الآيات التسع. الآن تؤمن؟ و كل آية سبقت اليك منى، كانت تكفى فى ردك الى «الآن. و قد عصيت قبل. و كنت من المفسدين»؟ لكن سننجيك و نقبل منك، لتخبر باسمى و قوله تعالى: «الآن و قد عصيت قبل و كنت من المفسدين» لا يدل