شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢٠ - المسألة التاسعة فى انه عالم
التفسير: ظاهر هذا الكلام يدل على أنه لا معنى لكونه سبحانه عالما بالأشياء الا أنه مبدأ لوجودها. فأما أن يكون موصوفا بكونه عالما بها فلا. قوله: «لا أنه مجتمع الماهيات» اشارة الى ما يجرى مجرى الاستدلال على ذلك. و تقريره أن يقال: العلم عبارة عن حصول ماهية المعلوم فى ذات العالم، فلو كان هو سبحانه عالما بالماهيات، لاجتمعت ماهيات الأشياء فى ذاته. و ذلك محال لوجهين:
الأول: ان الماهيات غير متناهية. بدليل: أن أحد أنواع الماهيات، الأعداد، و لا نهاية لها. فلو كان تعالى عالما بالكل، لحصلت فى ذاته لا نهاية لها. و ذلك محال.
و الثاني: ان واجب الوجود لذاته واحد، فتلك الصورة تكون ممكنة لذواتها. فيكون المؤثر لها هو ذات واجب الوجود، و القابل لها أيضا هو تلك الذات، فيلزم كون الذات الواحدة قابلة و فاعلة معا. و هو محال.
و اعلم: أن هذا تصريح بأن اللّه تعالى لا يعلم شيئا. و هو خطأ عظيم، و مقالة منكرة. فان هذا المذهب و ان كان منقولا عن قدماء الأوائل، الا أن الذي اتفق عليه المحققون منهم: أنه تعالى عالم بذاته، و عالم بجميع الكليات. و كأن هذا القول الذي ذكره هنا رجوع الى تلك المقالة المنكرة.
و أما قوله يلزم وقوع الكثرة فى ذاته. فقد أجاب «الشيخ» عن هذا السؤال فى كتاب «الاشارات» بأن قال: هذه الكثرة غير واقعة فى الذات، بل فى توابع الذات و لوازمها. و ذلك لا يقدح فى وحدة الذات.
و نحن قررنا هذا الكلام فى شرحنا لكتاب «الاشارات» بأن قلنا: الوحدة أبعد الأشياء عن الكثرة، ثم انها نصف الاثنين و ثلث الثلاثة و ربع الأربعة.
و هذا الى ما لا نهاية له، و (لما) لم يكن حصول الكثرة فى هذه الأمور الخارجة قادحا فى وحدة المعروض، فكذا هنا. و أما قوله: يلزم كون الشىء الواحد قابلا و فاعلا معا. و هو محال. فنقول: لا نسلم أنه محال.