شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٤٤ - المسألة الثانية فى اثبات السعادة الروحانية
عليه السلام. و لو انهدم القبر و شوهد الجسد حطاما باليا و رمادا. لما صدقوا أن الروح مفقودة. و لو لم تكن مفقودة فاين أرواح الأجساد الى بليت من عهد آدم الى اليوم؟
و ليس فى القرآن من نص صريح على اثبات سؤال القبر أو نعيمه أو عذابه. ففى كتاب الروح لابن القيم ما نصه: «ما الحكمة فى كون عذاب القبر، لم يذكر فى القران مع شدة الحاجة الى معرفته و الايمان به ليحذر و يتقى؟ فالجواب من وجهين مجمل و مفصل.
أما المجمل: فهو أن اللّه- سبحانه و تعالى- أنزل على رسوله وحيين، و أوجب على عباده الايمان بهما، و العمل بما فيهما. و هما الكتاب و الحكمة. قال تعالى: «و أنزل اللّه عليك الكتاب و الحكمة» و قال تعالى:
«هو الذي بعث فى الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة» و قال تعالى: «و اذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات اللّه و الحكمة» و الكتاب هو القران، و الحكمة هى السنة- باتفاق السلف- و ما أخبر به الرسول عن اللّه، فهو فى وجوب تصديقه، و الايمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله. هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام، لا ينكره الا من ليس منهم. و قد قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «انى أوتيت الكتاب و مثله معه» و أما الجواب المفصل: فهو أن نعيم البرزخ و عذابه: مذكور فى القرآن فى غير موضع. فمنها قوله تعالى: «و لو ترى اذ الظالمون فى غمرات الموت. و الملائكة باسطوا أيديهم. أخرجوا أنفسكم اليوم.
تجزون عذاب الهون، بما كنتم تقولون على اللّه غير الحق، و كنتم عن آياته تستكبرون» و هذا خطاب لهم عند الموت. و قد أخبرت الملائكة- و هم الصادقون- أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون. و لو تأخر عنهم ذلك الى انقضاء الدنيا، لما صح أن يقال لهم: «اليوم تجزون» و منها قوله تعالى: «فوقاه اللّه سيئات ما مكروا، و حاق بآل فرعون سوء العذاب. النار يعرضون عليها غدوا و عشيا. و يوم تقوم