شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦١ - المسألة الثانية فى تحقيق الكلام فى قولنا الجوهر موجود لا فى موضوع
ابنه: أنت أنجبتنى بشهوة كانت لك لذة، و بها صرت فى الدنيا المملوءة بالآفات و المصائب. و خلاصى من الدنيا لا يكون الا بالعلم. فلذلك أحترم المعلم و المؤدب و أعظمهما لأن خلاصى لا يكون الا على أيديهما.
و عن طريق المحكم و المتشابه. جاء عن يونس عليه السلام: «فالتقمه الحوت و هو مليم» و هذا نص محكم. و جاء عنه «للبث فى بطنه الى يوم يبعثون» و هذا نص متشابه. و النص المحكم يثبت أنه لم يدخل البطن.
لأنه لو دخل البطن لما كان يقول «التقمه» أى وضعه بين شدقيه.
و لأنه لو دخل البطن لأكل الحوت لحمه و فتت عظامه، و تغذى به، و أخرجه و نبذه بالعراء و هو سقيم لا يدل على أن الحوت قد أكله. و بطنه اما أن تدل على بطن الحوت، و اما أن تدل مجازا على بطن البحر. و المعنى المجازى هو المتفق مع المحكم، فيكون هو مراد اللّه تعالى.
و شبيه بهذه المسألة عن طريق المحكم و المتشابه: مسألة الوهية فرعون. فقد زعم البعض أن بعض المصريين قد عبدوا فرعون، كما عبد الكفار الأصنام. و ذلك من قول فرعون لقومه: «ما علمت لكم من إله غيرى» (القصص ٣٨) و هؤلاء أخذوا بظاهر النص- و هو متشابه- و لم يلتفتوا الى محكمه. و محكمه هو: «و قال الملأ من قوم فرعون:
أ تذر موسى و قومه ليفسدوا فى الأرض، و يذرك و آلهتك»؟ (الأعراف ١٢٧) و أيضا: قوله تعالى: «و قال فرعون: ذرونى أقتل موسى.
و ليدع ربه. انى أخاف أن يبدل دينكم» (غافر ٢٦) فقوله: «و يذرك و آلهتك» نص على أن فرعون لم يعبد نفسه، و انما عبد غيره. و هو نص لا يحتمل معنيين. و يؤكد أنه عبد غيره: قوله لقومه: «انى أخاف» و من صفة الاله فى نظر المعتقدين فيه: أن لا يخاف. و قوله «من إله غيرى» نص متشابه يحتمل الاله الذي يعبد مثل الصنم، و يحتمل الاله بمعنى السيد الرئيس الذي لا يرأسه من الناس أحد فى قومه. و المعنى الثاني هو المتفق مع المحكم، فيكون هو مراد اللّه تعالى. و كذلك كلمة «ربكم» قد يراد منها: السيد الرئيس و فى اللغة العبرانية أن «الاله» تأتى فى الكلام بمعنى السيد- و العبرانية و العربية من أصل واحد-