شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١٧ - المسألة الرابعة فى شرح الصفات السلبية لواجب الوجود
و لقائل أن يقول: الكلام على هذا الحد قد تقدم. و الذي نقوله الآن:
انه لا يجوز أن تكون حقيقة واجب الوجود عين وجوده. و يدل عليه وجوه:
الأول: انا بينا: أن مفهوم الوجود مفهوم واحد، و المفهوم من حيث انه مع قطع النظر عن كل ما سواه اما أن يقتضى أن يكون عارضا لماهية، أو يقتضى أن يكون غير عارض لماهية شىء من الماهيات، أو لا يقتضى واحد من هذين القسمين. فان كان الأول وجب أن يكون كل وجود عارضا لماهية موجود واجب الوجود، و يكون صفة حقيقية، و ان كان (غير عارض لماهية شىء من الماهيات) وجب أن لا يكون كل شىء من الموجودات عارضا لشىء من الماهيات. فاما أن لا تكون هذه الماهيات الممكنة موجودة، أو ان كانت موجودة لكن يكون وجودها نفس حقيقتها. و حينئذ لا يكون مفهوم الوجود مفهوما واحدا. هذا خلف. و ان كان الثالث فحينئذ يصير وجود واجب الوجود مجردا عن الماهية أو لسبب منفصل. فيكون واجب الوجود لذاته، واجب الوجود بغيره. هذا خلف.
الثاني: أن واجب الوجود معلوم. و حقيقته غير معلومة. فوجوده غير حقيقته.
الثالث: ان كونه مبدأ لغيره اما أن يكون، لأنه وجود، أو لا لأنه وجود، أو لأنه وجود مع سلب. و الأول باطل و الا لكان كل وجود كذلك.
و الثاني باطل و الا لكان السبب جزءا من علة الثبوت. هذا خلف.
الرابع: أنهم قالوا: أفراد الطبيعة الواحدة يجب أن يكون حكمها واحدا، ثم بنوا على هذه المقدمة ابطال القول بكون الخلاء بعدا مجردا.
فقالوا: طبيعة البعد واحدة. و ان كانت مجردة فلتكن كذلك فى الكل.
فالجسم بعد مجرد. هذا خلف. و ان كانت مادية فلتكن كذلك، فالخلأ يمتنع أن يكون بعدا مجردا. و أيضا: قالوا: لما ثبت فى الأجسام التي تقبل الفصل أن جسميتها محتاجة الى المادة، وجب فى كل جسمية أن تكون محتاجة الى المادة. و اذا عرفت هذا فنقول: أما الوجود من حيث انه وجود حقيقته واحدة. فان افتقرت الى الماهية فليكن كذلك فى الكل، و ان استغنت عن الماهية، فلتكن كذلك فى الكل.