شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٥ - المسألة الثانية فى تحقيق الكلام فى قولنا الجوهر موجود لا فى موضوع
على الناس بشريعة موسى عليه السلام. و قوله تعالى: «فأوردهم النار» لا يدل على أن فرعون قد وردها، بل هو تسبب فى ايرادهم النار لما منعهم من الايمان. و هم قد هلكوا من قبل أن يؤمن. فلذلك لم يرد، بل وردوا، هم. و قوله «و أتبعوا» يدل على أنه لم يتبع بل أتبعوا، هم. و قد جاءت اللعنة مرة أخرى فى سورة القصص فى قوله تعالى: «و جعلناهم أئمة يدعون الى النار، و يوم القيامة لا ينصرون، و أتبعناهم فى هذه الدنيا لعنة، و يوم القيامة هم من المقبوحين» و آية آل فرعون التي هى الأصل فى اثبات عذاب القبر، لم يفهم النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أنها تدل على عذاب القبر. و على ذلك تخرج من الأدلة القرآنية المحكمة على عذاب القبر. فقد روى على شرط البخارى و مسلم- و لم يخرجا- أن يهودية كانت تخدم عائشة زوج النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و كلما صنعت معها معروفا، قالت لها اليهودية: وقانا اللّه عذاب القبر. فلما دخل النبي يوما على عائشة رضى اللّه عنها سألته هل فى القبر عذاب أم لا؟ فقال لها:
«لا. من زعم ذلك؟» قالت له: اليهودية. فقال: «كذبت اليهودية.
و هم على اللّه أكذب. لا عذاب دون يوم القيامة» و وجه الاستشهاد بهذا الحديث: هو أن سورة غافر كلها مكية. و آية آل فرعون مكية. و زواج النبي بعائشة كان فى المدينة. فلو كانت آية آل فرعون مثبتة لعذاب القبر، لما قال لعائشة: «لا عذاب دون يوم القيامة» و هذا الاشكال قد أورده ابن كثير فى تفسيره و ما أجاب عليه بجواب مقنع.
و كيف يجيب بما يقنع و فى القران آيات محكمات تنفى عذاب القبر؟
منها: «قل انى أخاف ان عصيت ربى عذاب يوم عظيم» فلو كان فى القبر عذاب، لما قال «عذاب يوم عظيم»- «فالله يحكم بينكم يوم القيامة» و ليس فى القبر «أن اللّه يفصل بينهم يوم القيامة»- «ان ربك يقضى بينهم يوم القيامة»- «و نخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك. كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا» و جاءت كلمة النار فى القرآن بالمعنى المجازى. و من هذا: «قطعت لهم ثياب من نار»- «ما يأكلون فى بطونهم الا النار»- «كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها اللّه» و جاءت كلمة الجنة فى القرآن بالمعنى المجازى.
و من هذا: «جنة من نخيل و عنب»- «جنتان عن يمين و شمال»-