شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٦ - المسألة الأولى فى حد السبب
و اذا ثبت هذا، وجب إسقاطه. و حينئذ يبقى مجرد قوله:
«السبب: هو كل ما يتعلق به وجود الشىء» (قول) [١] مختل. لأن لفظة التعلق لفظة مجملة مشتركة بين أمور كثيرة. و مثل هذا اللفظ لا يجوز استعماله فى التعريفات. و أما التعريف المذكور فى الحدود، فانه بحث سقط عنه امتناع الدور. و حينئذ يبقى مجرد قوله: «العلة كل ذات وجود ذات أخرى منه» يصير حاصل الكلام (منه) أنه أبدل لفظة «العلة» بلفظة «من» و هذا باطل من وجهين:
الأول: ان أبدال لفظ بلفظ ليس من باب التعريفات الحقيقية.
الثاني: أن لفظة «من» مشتركة بين ابتداء الغاية و بين التبعيض و بين التبيين.- على ما هو مذكور فى النحو- و لا يمكن حمله فى هذا الموضع الا على ابتداء الغاية. ثم ابتداء الغاية أقسام كثيرة. كالابتداء من الزمان، و من المكان، و من القابل، و من المؤثر. و لا شك أن المراد هنا ليس الا الابتداء من المؤثر، فيصير هذا التعريف ابدالا للفظة الموضوعة لمعنى معين، بلفظة مشتركة بين مفهومات كثيرة. و معلوم أن ذلك باطل.
و الأقرب عندى أن يقال: قد سمعت أن هنا علة صورية- و هى جزء الشىء الذي يجب حصول الشىء عند حصوله- و علة مادية- و هى الجزء الذي به يحصل إمكان الشىء- و علة فاعلية- و هى التي تؤثر فى وجود الشىء- و علة غائية- و هى التي كان لأجلها الشىء- و القدر المشترك بينها- (و هو) أنه الذي يحتاج اليه الشىء- و اعلم: أن حاجة الشىء الى غيره، قد تكون فى ماهيته. و هى كاحتياج الشىء الى جزئه الصورى و جزئه المادى. و جزؤه المادى قد يحتاج الى شىء فى وجوده فقط- و هو السبب الفاعل و الغائى- و القدر المشترك بين الكل هو قولنا: انه محتاج اليه. فان قيل: فالشرط أيضا محتاج اليه. قلنا: الشرط فى الحقيقة عبارة عن جزء العلة.
و نحن فى هذا الموضع لا نفرق بين العلة التامة و بين جزء العلة.
[١] أن هذا القدر أيضا: ص.