شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٠ - المسألة الثانية فى بيان أن الشىء كيف يكون كليا مشتركا فيه فى الأذهان
فى الأعيان، عائد عليكم فى الأذهان. بل نقول: ان من الناس من قال:
القول باثبات الكلى باطل. و يدل عليه وجوه:
الحجة الأولى: ان هذا الكلى اما أن يكون موجودا أو معدوما.
و القسمان باطلان فبطل القول بالكلى. انما قلنا: انه يمتنع أن يكون موجودا لأن كل ما كان موجودا، فله تعين و تشخص. و كل ما كان كذلك فان يمتنع أن يكون كليا. لا يقال: لم قلتم: ان الموجود فى الأذهان له تعين و تشخص؟
لأنا نقول: قد ذكرنا أن الموجود فى الأذهان موجود فى الأعيان، لان الموجود فى الذهن صورة جزئية حالة فى نفس جزئية شخصية. فتكون من جملة الموجودات فى الأعيان، فلا يختلف ذلك الكلام الذي ذكرناه، سواء سميتموه بأنه موجود فى الاذهان أو فى الاعيان. و انما قلنا بأنه يمتنع أن يكون معدوما. لأن المعدوم نفى محض و عدم صرف، فيمتنع كونه جزءا من أجزاء الماهية الموجودة، أو يكون صفة من صفاتها.
الحجة الثانية: أن الكلى اما أن يكون موجودا فى الأعيان، أو فى الاذهان. و القسمان باطلان. أما الأول فلما تقدم تقريره فى الفصل المتقدم و أما الثاني فلأن الموجود فى الأذهان صورة شخصية قائمة بنفس شخصية، و الموجودات فى الأعيان قد كانت موجودة قبل حدوث هذه الصورة فى هذه الصورة فى هذه النفس، و ستبقى موجودة بعد زوال هذه الصورة عن هذه النفس. و ما كان كذلك فانه يمتنع كونه مقوم لماهية هذه الأشخاص الموجودة فى الخارج. و العلم بذلك ضرورى.
الحجة الثالثة: لو كانت الانسانية كلية، لكان المتعين زائدا على الماهية. و ذلك محال لأن التعين من حيث انه تعين يكون أيضا صفة ماهية كلية، فكان يجب افتقاره الى تعين آخر. و يلزم التسلسل.
و هنا وجوه كثيرة فى الاشكالات ذكرناها فى الكتاب المسمى «المطالب العالية» اذا عرفت هذا فنقول: ان «الشيخ» شرع فى هذا الموضع فى بيان أن الصورة الذهنية، كيف تكون كلية، و ذكر فيه وجهين: