شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٧٨ - المسألة الثالثة فى تحقيق الكلام فى قولنا العرض هو الموجود فى موضوع
الأول: انه الذي يكون موجودا، مع أنه فى موضوع.
و الثاني: أنه ماهية اذا وجدت فى الاعيان، كانت فى موضوع.
فأما أن المفهوم الأول لا يصلح للجنسية، فقد تقدم القول فيه فى تفسير قولنا: الجوهر هو الموجود لا فى موضوع. و أما المفهوم الثاني فزعم «الشيخ» أنه أيضا لا يكون جنسا لما تحته. و استدل عليه بأن قال: لو كان هذا المعنى جنسا لما تحته من الكم و الكيف، لكان ثبوته لما تحته بديهيا غنيا عن الدليل. لما ثبت أن جزء الماهية يجب أن يكون معلوم الثبوت لتلك الماهية علما بديهيا. لكنه ليس الأمر كذلك. فانا بعد أن نعقل ماهية الكم و الكيف، نبقى شاكين فى أنه هل هو جوهر أو عرض؟ و ذلك يدل على أن العرض لا يجوز أن يكون جنسا لما تحته.
و لقائل أن يقول: هذه الحجة حسنة جيدة، الا أنها تدل على أن الجوهر لا يمكن أن يكون جنسا لما تحته من وجهين:
أحدهما: انا قد نتصور معنى حالا فى جوهر الأرض، يقتضى حصول البرد و اليبس و الكثافة و الحصول فى مركز العالم، مع أنا بعد ذلك نبقى شاكين فى أن ذلك المعنى هل هو مقوم لمحله أو لا متقوما بمحله؟
و هذا المعنى صورة. و الصورة عندكم جوهر، فقد عقلنا حقيقة الصورة، حال ما نكون شاكين فى أنها جوهر أم لا؟ فان دل كلامكم هناك على أن العرض ليس بجنس، وجب أن يدل هنا أيضا على أن الجوهر ليس بجنس.
و لمجيب أن يجيب فيقول: انا لا نعقل من الصورة ماهيتها المخصوصة، بل لا نعقل منها الا أنها أمر ما، مجهول من شأنه ايجاب هذه الآثار. و الماهية اذا كانت معلومة على هذا الوجه، لم يلزم من العلم بها المعلم بجنسها و فصلها. أما نحن فنعقل الألوان و المقادير بحقائقها المخصوصة، فلو كانت العرضية مقومة لها، لزم ما ذكرناه. فظهر الفرق.
و ثانيهما: أن الكون فى الموضوع مفهوم ثبوتى. و قولنا: ليس فى موضوع، اشارة الى سلبه. فان كان اقتضاء الكون فى موضوع