شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٠ - المسألة الأولى فى اثبات أن الجسم مركب من الهيولى و الصورة
و أما الثاني: فهو مذهب «الشيخ» و مذهب أكثر من قبله من الفلاسفة، فانهم زعموا: أن هذا الشىء الممتد فى الجهات الحاصل فى الحيز هو الحجمية. و محل هذه الحجمية هو الهيولى. و مجموعهما: هو الجسم.
فهذا تلخيص محل النزاع.
و اعلم: أن حجة «الشيخ» فى هذه المسألة مبنية على نفس الجوهر الفرد و على [١] أن الجسم المتصل شىء واحد فى نفسه، كما أنه عند الحس واحد. و اذا عرفت هذا فلنذكر هذه الحجة التي ذكرها. و تقرير الكلام: أن فقول: ثبت أن الجسم البسيط فى نفسه شىء واحد. و ذلك هو المراد من كونه متصلا. و لا شك أيضا فى أنه قابل للانفصال. فيقول قائل: هذا الانفصال اما أن يكون هو الاتصال أو غيره. و الأول باطل لأن القابل يجب أن يبقى مع المقبول. و الاتصال لا يبقى مع الانفصال، فامتنع أن يكون القابل للانفصال هو الاتصال. فلا بد من الاعتراف بوجود شىء سوى الاتصال، يكون قابلا لهذا الانفصال الطارئ و كذلك الاتصال الزائل.
و حينئذ يظهر أن الجسم مركب من الاتصال و من شىء آخر يقبل ذلك الاتصال. و ذلك هو المطلوب.
و لقائل أن يقول: هذا بناء على أن الجسم البسيط متصل فى نفسه، و هو بناء على نفى الجوهر الفرد. و الكلام فيه قد تقدم. ثم ان سلمنا ذلك.
لكنا نقول: و لم لا يجوز أن يقال: الجسم قبل الانفصال كان موصوفا بالوحدة، و عند الانفصال زالت الوحدة و تبدلت بالاثنينية فالزائل هو الوحدة و الطارئ هو التعدد. و هما عرضان متعاقبان على الجسم.
و هذا لا يقتضى كون الجسم مركبا فى ذاته من قابل و مقبول. و الذي يؤكد هذا السؤال: أن الجسم عند ورود الانفصال عليه، ما بطل اتصاله.
لأن كل واحد من الحيزين بقى متصلا كما كان، انما الزائل هو الوحدة فقط.
و ذلك تقدير ما قلناه.
[١] على: ص.