شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٦٠ - المسألة الثانية فى اثبات السعادة الروحانية
عند ما رأيت من كرامة اللّه لأوليائه؟ فقلت لها: فما فعلت: «عبدة بنت أبى كلاب»؟ فقالت: هيهات. هيهات. سبقتنا- و اللّه- الى الدرجات العلى. قالت: قلت: و بم و قد كنت عند الناس أعبد منها؟ فقالت:
انها لم تكن تبالى على أى حال أصبحت من الدنيا أو أمست فقلت: فما فعل «أبو مالك»؟- تعنى ضيغما- فقلت: يزور اللّه تبارك و تعالى متى شاء ... الخ»
هذا كلام ابن القيم بنصه. و هو كلام المتصوفة أنفسهم. و قد أثبت به أن للأموات صلات بالأحياء. فلو أن متصوفا قال له: أتانى صاحب هذه القبة فى المنام و طلب منى أن أصلى ركعتين عند رأسه و أن أدعو له.
أو قال له فى المنام: زرنى و معك كبش و انحره لزوار قبرى. أو قال له:
أنا زرت اللّه كثيرا و لو أردت أن أتوسط لك عنده لفعلت. فبما ذا يرد ابن القيم على الصوفى قائل هذا؟ و قد أثبت ابن القيم فى أول كتابه الروح: أن كلام الأموات فى الرؤى. لا يرد. و أن الميت اذا أتى فى المنام الانسان و قال له:
انى أوصى لفلان، و أصبح هذا الانسان و أخبر أهل الميت بالوصية هذه، فانه يجب عليهم إمضاؤها. و يقول ابن القيم بعد ذكر روايات منامية فى هذا الشأن: «و هذا محض الفقه» و انه لمخطئ فى ما ذهب اليه. و هو قد ذهب الى تصديق رابعة العدوية الصوفية الشهيرة فى قولها- و هو قول منام- أن أبا مالك كان يزور اللّه تبارك و تعالى متى شاء. و ذهب الى أن كلام الميت فى الحلم ككلامه فى اليقظة. و لا أدرى أين كان عقله و هو يكتب هذا؟ فلو أن حاكما رأى فى منامه أن رجلا و امرأة- لم يموتا بعد- يزنيان، فهل اذا قام من نومه يقيم عليهما الحد؟ و هل اذا رأى انسان نفسه مع امرأة يضاجعها. فهل يصبح و يقول للحاكم: طهرنى من الزنا؟
و لو رأى أسدا قد أتاه فى الحلم، فهل هذا الأسد هو نفسه الذي يعيش فى الغابات؟ انها صور تتراءى فقط.
أن الذي يقضى على المذهب الصوفى قضاء مبرما، و يهد أركانه من الأساس: هو اثبات انقطاع الأرواح عن الاجساد من بعد الموت- سواء كانت أرواح أنبياء أو كانت أرواح أولياء- و اثبات أنها لا تتلافى و لا تتزاور و لا تتعارف و لا صلة لها بالأحياء، و لا تعرف شيئا مما يجرى فى الدنيا.
و اثبات أنها ليست بجسم منفصل عن الجسد و روحه. سواء كان جسما