شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨ - المسألة الثانية فى (تقسيمات الوجود)
الموجودة فى المادة تكون جوهرا. فنقول: الجوهر أما أن يكون فى مادة، أو يكون نفس المادة، أو يكون متركبا من المادة و الصورة، أو يكون بخلاف هذه الأقسام الثلاثة- أعنى: أن لا يكون فى مادة، و لا مادة، و لا متركبا عن المادة و الصورة- أما الجوهر الذي يكون فى المادة فهو الصورة. و أما المادة فقد عرفتها. و أما المركب عن المادة و الصورة فهو الجسم. و أما الذي لا يكون على أحد تلك الأقسام الثلاثة فهى الجواهر المجردة. و من الناس من يقول: هذا الجوهر أن افتقر فى أفعاله الى آلة جسمانية، فهو النفس.
و ان لم يفتقر فى أفعاله الى آلة جسمانية فهو العقل. فهذا تلخيص الكلام فى هذا القسم.
و اعلم: أن هذا التقسيم لا يتم الا باثبات أمور:
أحدها: اثبات أن الحال قد يكون مقوما لمحله. فاذا بطل ذلك، لم يمكن اثبات الجواهر الصورية.
و ثانيها: اثبات أن الجسم مركب عن المادة و الصورة. و الكلام فى هذا الموضع سيأتى عن قريب.
و ثالثها: اثبات أن كل مركب عن مادة و صورة فهو جسم. و هم ما أقاموا على هذه القضية حجة. لأن قولنا: كل جسم فهو مركب من المادة و الصورة، لا يقتضى أن يكون كل مركب من مادة و صورة فهو جسم.
لما عرفت: أن الموجبة الكلية لا تنعكس كلية، بل لنا أن نثبت ذلك على مقتضى أصول الحكماء. و ذلك لأن الجوهر عندهم: مقول على ما تحته قول الجنس على أنواعه، و أحد أنواع الجوهر هو الجوهر المجرد، فيكون الجوهر المجرد داخلا تحت الجنس، و كل ما كان كذلك فذاته مركبة من الجنس و الفصل.
و الجنس و الفصل اذا أخذا بشرط التجريد، كانا مادة و صورة.
و هذا يوجب القطع بكون هذه الجواهر المجردة مركبة من مادة و صورة.
فثبت بهذا: أنه ليس كل ما كان مركبا من المادة و الصورة، فهو جسم.