شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٢ - المسألة الثانية فى تحقيق الكلام فى قولنا الجوهر موجود لا فى موضوع
و فى التوراة يقول اللّه لموسى- كما هو مكتوب-: «أنا جعلتك إلها لفرعون. و هارون أخوك يكون نبيك» (خروج ٧: ١) أى جعلتك له سيدا، و جعلت لك هارون مساعدا. ليفسر كلامك له.
تشبيه بهذه المسألة عن طريق المحكم و المتشابه: مسألة غرق فرعون.
١- ففى القرآن نص على أنه لم يغرق فى اليم. و هو «فاليوم ننجيك ببدنك، لتكون لمن خلفك آية» (يونس ٩٢) و معناه: أن هذا وعد له بالنجاة، ليخبر قومه بأن موسى عليه السلام رسول اللّه تعالى.
٢- و فى القرآن نص على أنه غرق فى اليم. و هو «فأغرقناه و من معه جميعا» (الاسراء ١٠٣) و الغرق اما أن يفسر بالخنق فى الماء- و هذا هو المعنى الأول فيه- و اما أن يفسر بضياع القوة، و لو لم يمت فى الماء- و هذا هو المعنى الثاني- كما يقال: غرق فى بحر الهموم. و الهموم ليست ماء فى بحر، و مراده: تاه و تبددت أفكاره، و اختلط عليه أمره.
و لأن الغرق يحتمل معنيين، يكون النص متشابها. و فى هذه الحالة يكون المعنى الثاني و هو ضياع قوة فرعون بعد غرق جنوده حقيقة فى اليم: هو المتفق مع النص المحكم، الذي يدل على نجاته، ليخبر من خلفه بما شاهده من عظمة اللّه تعالى.
و لأن المفسرين لم يلتفتوا الى المحكم و المتشابه، حاروا فى تفسير «فاليوم ننجيك ببدنك» على وجوه كثيرة. و قرأ بعضهم «ننجيك» بالحاء المهملة بدل «ننجيك» بالجيم المعجمة، و قرأ بعضهم «لمن خلقك» بالقاف، أى لتكون لخالقك آية كسائر آياته، و ذكر الامام الرازى- رحمه اللّه- وجوها كثيرة فى النجاة، و وجوها كثيرة فى «ببدنك» و فى كلام العرب: «انفد بجلدك من هذه المشكلة» كناية عن الهرب منها. و لا يدل قولهم هذا على أن ينفد فقط دون روحه. و كذلك «فاليوم ننجيك ببدنك» هو كناية عن النجاة. و لا يدل على النجاة بالجسد دون الروح، كما قال الرازى فى بعض الوجوه.