شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١١ - المسألة الثانية فى توحيد واجب الوجود
و لقائل أن يقول: هذا الكلام ضعيف. لأن شرط كون المعنى المشترك فيه جنسا لما تحته أو نوعا لما تحته: أن يكون أمرا ثابتا، و لا يكون عبارة عن مجرد السبب. فلم قلتم: ان وجوب الوجود معنى ثبوتى؟ و لم لا يجوز أن يكون معنى سلبيا؟
و الذي يدل على صحة قولنا وجوه:
الأول: ان وجوب الوجود لو كان مفهوما ثبوتيا لكان اما أن يكون تمام الماهية، أو جزء الماهية، أو خارجا عنها. و الكل باطل. فوجب أن لا يكون مفهوما ثبوتيا. و انما قلنا: انه لا يجوز أن يكون نفس الماهية.
و ذلك لأنا نعقل معنى كونه واجب الوجود لذاته، و لا نعقل حقيقته المخصوصة. و ذلك يدل على التغاير. و أيضا: فوجوب الوجود كيفية للنسبة الحاصلة بين الوجود و بين الماهية الحاصلة للوجود. و الدليل عليه: اتفاق المناطقة [٢] على أن الوجوب و الامتناع و الامكان جهات- أى هى كيفيات لارتباط المحمول بالموضوع- و اذا كان الأمر كذلك امتنع أن يقال: الوجوب نفس الذات. و أما أنه يمتنع أن يكون جزءا من أجزاء الذات، فلأن على هذا التقدير يكون واجب الوجوب لذاته، مركبا. و ذلك محال. و أما أنه يمتنع أن يكون خارجا عن الماهية، فان الخارج عن الماهية و اللاحق لها، يكون ممكنا لذاته واجبا بوجوب غيره. فقبل هذا الوجوب وجوب آخر. هذا خلف.
الثاني: ان الوجوب محمول على العدم. بدليل: أنه انما يصدق قولنا ممتنع أن يكون. فانه يصدق فيه: واجب أن لا يكون. فيكون الوجوب محمولا على اللاكون. و المحمول على العدم عدم.
الثالث: لو كان الوجوب أمرا موجودا، لكان ذلك الوجوب مساويا لسائر الموجودات فى الموجودية، و مخالفا لها فى الماهية. فيكون وجوده زائدا على ماهيته، فاتصاف ماهيته بوجوده يكون بالوجوب، فيلزم أن يكون للوجوب وجوب آخر، الى غير النهاية. و أنه محال.
[٢] المنطقية: ص.