شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٦ - المسألة الثانية فى تحقيق الكلام فى قولنا الجوهر موجود لا فى موضوع
«و دخل جنته» أى بستانه.
و جاء فى القرآن أن المدة من الموت الى يوم القيامة قليلة، و لا يحس بها الميت، فاذا قام فى القيامة، كأنه قائم بعد موته على النور. و من هذا:
«كأنهم يوم يرون ما يوعدون. لم يلبثوا الا ساعة من نهار»- «اذ يقول أمثلهم طريقة: ان لبثتم الا يوما»- «و يوم يحشرهم، بأن لم يلبثوا الا ساعة من النهار»
و كان قد آمن بموسى عليه السلام ذرية من أهل مصر. و لما نجا فرعون من الغرق رجع الى أهل مصر و أظهر الايمان لهم بالله رب العالمين، و ألغى أماكن عبادة الآلهة المتعددة. و هجرها و حرم تحنيط الموتى.
و لما نزلت التوراة على موسى فى طور سيناء، أرسل نفرا من بنى هارون عليه السلام بنسخة منها الى أهل مصر ليعملوا بأحكامها، و بنى بنو هارون فى مصر المساجد، و شرحوا التوراة للناس، و ألزموهم بشعائرها و طقوسها. و هذا هو معنى قوله تعالى: «و أوحينا الى موسى و أخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا، و اجعلوا بيوتكم قبلة و أقيموا الصلاة و بشر المؤمنين» و من ذلك الحين انتهت أعمال السحرة فى مصر، و انتهى تحنيط الموتى. و انتهى حكم الفراعنة. و أصبح الحكم فى مصر لبنى اسرائيل على وفق شرائع التوراة. لأن دعوة موسى عليه السلام كانت عامة لبنى اسرائيل و للأمم. و ذلك لأن اللّه تعالى يقول: «و أورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض و مغاربها التي باركنا فيها. و تمت كلمة ربك الحسنى على بنى اسرائيل بما صبروا، و دمرنا ما كان يصنع فرعون و قومه و ما كانوا يعرشون» و الارث ليس لاذلال المصريين و سلب ثرواتهم و استعبادهم، بل الارث هو لنشر شريعة التوراة و العمل بها و التمكين للحق و للعدل بمقتضى أحكامها و قد وضح اللّه الارث بأنه ارث ديانة فى قوله تعالى: «و لقد آتينا موسى الهدى، و أورثنا بنى اسرائيل الكتاب.
هدى و ذكرى لأولى الألباب» (غافر ٥٣- ٥٤) مثلهم مثل المسلمين لما ورثوا ملك الأكاسرة و القياصرة، و كان ارثهم لبلادهم ارث ديانة للتمكين للقرآن فى الأرض. و ظل ارث بنى اسرائيل ارث ديانة، الى أن نخلى بنو اسرائيل عن دعوة الأمم، و حرفوا التوراة فى سبى بابل. و قد