شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٣٧ - المسألة الثانية فى اثبات السعادة الروحانية
و النفس الناطقة [١] اذا عرفت الحق سبحانه فهى كاملة فى ادراكها كاملة فى مدركها، فوجب أن يكون هذا الادراك أكمل لذة.
و أما بيان أن هذه القوى الحسية ناقصة فى ادراكها، فمن ثلاثة وجوه:
الأول: ان القوى الحساسة انما تدرك المماسة. و المماسة لا تكون ملاقاه بالأثر. و أما النفس الناطقة فانها لا تدرك بآلة جسمانية. فصارت القوة الادراكية كأنها غاصت فى ماهية المدرك بالكلية. و كذلك فان القوة الباصرة لا تدرك الا ظاهر المحسوس. و أما القوة العقلية فانها تغوص فى الباطن، فتعرف الأجناس على اختلاف مراتبها، و الفصول على اختلاف مراتبها، و نميز حقيقة كل واحد عن الآخر.
[١] هذا بحث موجز عن النفس و يعبر عنها بالروح، و يعبر عنها بالانسان. و أضعه هاهنا لفائدة اصلاح الدين و نبدأ الكلام فنقول:
جمهور المسلمين متفقون على أن النفس شىء. هو غير الجسد و روحه. ثم نقول:
ما حقيقة النفس؟ هل هى جزء من أجزاء البدن، أو عرض من أعراضه، أو جسم مساكن له، مودع فيه، أو جوهر مجرد؟ و هل هى الروح أو غيرها؟ و هل الأمارة و اللوامة و المطمئنة نفس واحدة، لها هذه الصفات، أم هى ثلاث أنفس؟
يقول ابن قيم الجوزية فى كتابه «الروح» و يقول فخر الدين الرازى رضى اللّه عنه فى كتابه «الأرواح العالية و السافلة» ١- ان «النظام» من المعتزلة. يقول: هى جسم. و هى النفس، و زعم: أن الروح حي بنفسه، و أنكر أن تكون الحياة و القوة معنى غير الحى القوى. ٢- و قال آخرون: الروح عرض ٣- و قال جعفر بن حرب: لا ندرى الروح جوهر أو عرض ٤- و قال الجبائى: ان الروح جسم و أنها غير الحياة، و الحياة عرض ٥- و قال قائلون: ليس الروح شيئا أكثر من اعتدال الطبائع الأربع. و هى الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة ٦- و قال قائلون: ان الروح معنى خامس غير الطبائع الأربعة ٧- و قال قائلون: الروح الدم الصافى الخالص من الكدر و العفونات ٨- و قال قائلون: الحياة هى الحرارة الغريزية. ٩- و قال «الأصم»: النفس هى هذا البدن بعينه. لا غير.
١٠- و قال «أرسطاطاليس»: ان النفس معنى مرتفع عن الوقوع تحت التدبير و النشوء و البلى، غير دائرة. و أنها جوهر بسيط مثبت فى العالم كله من الحيوان، على جهة الاعمال له و التدبير، و أنه لا تجوز عليه صفة قلة و لا كثرة. و هى على ما وصفت من انبساطها فى هذا العالم غير منقسمة الذات و البنية، و أنها فى كل حيوان (فى) العالم بمعنى واحد لا غير» ١١- و قال آخرون: النفس معنى موجود ذات حدود