شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٣ - المسألة الثانية فى اثبات السعادة الروحانية
و ارتضى هو- بدون دليل- أن السؤال لكل الأمم. يقول ما نصه:
«و الظاهر- و اللّه أعلم- أن كل نبى مع أمته كذلك، و أنهم معذبون فى قبورهم بعد السؤال لهم و اقامة الحجة عليهم، كما يعذبون فى الآخرة بعد السؤال و اقامة الحجة»
و تحدث ابن القيم فى امتحان الأطفال فى قبورهم. و ذكر خلاف الناس فى ذلك على قولين ثانيهما: «السؤال انما يكون لمن عقل الرسول المرسل، فيسأل هل آمن بالرسول و أطاعه أم لا؟ فيقال له: ما كنت تقول فى هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فأما الطفل الذي لا تمييز له بوجه ما، فكيف يقال له: ما كنت تقول فى هذا الرجل الذي بعث فيكم؟» ثم يعقب على الرأيين بقوله: «و لا ريب أن فى القبر من الآلام و الهموم و الحسرات ما قد يسرى أثره الى الطفل، فيتألم به، فيشرع للمصلى عليه أن يسأل اللّه تعالى له أن يقيه ذلك العذاب» و انه نسى و هو يعقب ما قاله أولا و هو أن الطفل لا تمييز له بوجه ما.
و قال ابن القيم: هل عذاب القبر دائم أو منقطع؟ و حكى حجج القائلين بدوامه سوى أنه يخفف عنهم ما بين النفختين. و من حججهم:
«النار يعرضون عليها غدوا و عشيا»- و قد بينا أنه نص متشابه- و حكى حجج القائلين بانقطاعه بدعاء أو صدقة أو استغفار أو ثواب حج أو قراءة تصل اليه من بعض أقاربه أو غيرهم.
هذا كلامه. و هو يعلم أن جماعة من العلماء يرون بأن الأحياء لا يقدرون على نفع الميت بشيء من صدقة أو ثواب قراءة، لقوله تعالى:
«و أن ليس للانسان الا ما سعى، و أن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى» و قال ابن القيم فى صفحة ١٨٨ «و ذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام أنه لا يصل الى الميت شىء البتة، لا دعاء و لا غيره» و احتج على وصول الثواب بأحاديث منها قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: «لا تقتل نفس ظلما، الا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل» فاذا كان هذا فى العذاب و العقاب، ففى الفضل و الثواب أولى و أحرى» هذا كلامه.