شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٦٥ - المسألة الثانية فى اثبات السعادة الروحانية
الثاني: ان القوى الحساسة اذا أدركت شيئا، عجزت فى تلك الحالة عن ادراك شىء آخر. و القوة الناطقة اذا أدركت شيئا، صارت عند ذلك أقوى على ادراك سائر الأشياء.
الثالث: ان القوى الحساسة يعرض لها الأغلاط الكثيرة بسبب اختلاف أمزجة الآلات الجسمانية. و القوة العقلية لما لم تكن جسمانية، لم تعرض لها الأغلاط بهذا السبب، فبان بهذا: أن ادراك النفس الناطقة أشرف من مدركات القوى الحسية. و أما أن مدركات النفس الناطقة أشرف من مدركات القوى الحسية: فلأن مدركات النفس الناطقة هى ذات واجب الوجود و صفات جلاله و اكرامه، و كيفية تأثيره فى تكوين العالم الروحانى و العالم الجسمانى. و من مدركات النفس الناطقة: الملائكة المقربون (على) اختلاف [١٤] درجاتهم و مراتبهم. و أما مدركات القوى الحساسة: فهى الكيفيات المحسوسة القائمة بهذه الأجسام المعدنية و النباتية و الحيوانية.
و معلوم أنه لا نسبة فى الشرف بين هاتين الدرجتين.
و اذا عرفت هذا فنقول: لما ثبت أن اللذة عبارة عن ادراك الملائم، وجب القطع بأنه كلما كان الادراك أكمل و كان المدرك أشرف، تكون اللذة أقوى و أعلى. و لما ثبت أن ادراك النفس الناطقة يحضره جلال اللّه أقوى الادراكات، و ثبت أن الحق سبحانه أشرف الموجودات، لزم أن يقال:
اللذة الحاصلة بادراك جلال اللّه، تكون أقوى اللذات و أعلاها [١٥]
و عبر بالآن دلالة على تحقق الوقوع من جهة، و لأن المدة من الموت الى البعث قليلة من جهة أخرى.
و هى آية متشابهة. و محكمها هو: «كل نفس ذائقة الموت و انما توفون أجوركم يوم القيامة» فقد أثبت التوفية فى القيامة و منعها فى القبر للشهيد و غيره.
[١٤] و اختلاف: ص.
[١٥] و أعلا لها: ص.