شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢٨ - المسألة الثالثة عشر فى تفصيل القول فى كل واحد من أسمائه
لكانت نسبته الى جميع الأجسام على السوية، و كان اختصاص بعض الأجسام بصفة، و اختصاص جسم آخر بضد تلك الصفة: رجحانا لأحد طرفى الممكن على الآخر لا لمرجح. و هذا محال.
لا يقال: اختلاف هذه الأجسام فى هذه الصفات معلل باختلافها فى القوى و الطبائع. لأنا نقول: المذكور فى اختلاف الصفات عائد فى اختلاف القوى و الطبائع، فيلزم تعليلها بقوى و طبائع أخرى. و يلزم التسلسل.
الثالث: هو أن تشريح بدن الانسان دال على أن خالق هذا البدن فى غاية الرحمة و الاحسان و الحكمة. و أنه تعالى فاعل مختار. و انه لو كان موجبا، لكانت نسبة تأثيره الى المادة التي منها يتولد القلب كنسبة تأثيره الى المادة التي منها يتولد سائر الأعضاء، و حينئذ يجب أن لا يحصل هذه الحكمة المختلفة و المنافع المتباينة. و اذا ثبت أنه سبحانه فاعل مختار، وجب أن يكون عالما بالأشياء. لأن الفاعل المختار هو الذي يقصد الى ايجاد الأشياء، و القاصد الى ايجاد الأشياء لا بد و أن يكون متصورا للماهيات، يستحيل منه القصد الى ايجادها. و اذا حضر عنده تصور الماهيات، وجب أن يحضر عنده التصديق بها تصديقا. لأن تلك الماهيات اما أن تكون من حيث هى هى واجبة الانتساب الى الأخرى بالثبوت أو الانتفاء و الجواز. فان كانت واجبة الانتساب الى الأخرى بالثبوت. فتلك الماهية لما هى هى، موجبة لذلك الانتساب بواسطة [١٢] أو بلا واسطة.
و على التقديرين فالعالم بتلك الماهية عالم بما يوجبه ذلك الانتساب و العالم بالموجب عالم بالأثر، فالعلم بتلك الماهية يوجب العلم بذلك التصديق ايجابا كان أو سلبا. و أما ان كان انتساب بعض تلك الماهية الى غيرها بالجواز. كان ذلك الجواز أيضا من لوازم تلك الماهيات، و حينئذ يعود الكلام المذكور من أن العالم بتلك الماهية عالم بذلك الجواز. فثبت: أنه سبحانه فاعل مختار و (اذا) ثبت أن الفاعل المختار عالم بالتصورات، و ثبت: أن العالم بالتصورات عالم بالتصديقات. سبحانه عالم بالكل.
[١٢] أو بواسطة: ص.