شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٥ - المسألة السابعة فى بيان أن الممكن ما لم يجب صدوره عن سببه، فانه لا يوجد
فاذن يجب أن يجب وجوده عن غير متسلسل اليه، فيكون حينئذ وجوده عن غيره واجبا حين يوجد، فاذن الممكن لذاته ما لم يجب وجوده عن غيره لم يوجد، فاذا وجب عن غيره كان وجوده عن غيره واجبا. فيكون باعتبار نفسه ممكنا و باعتبار غيره واجبا»
التفسير: اعلم أن وجوده فى نفسه غير اعتبار صدوره عن غيره.
و الدليل عليه: ان وجوده فى نفسه غير مقول بالقياس الى غيره، و صدوره عن غيره مقول بالقياس الى غيره. و أيضا: فيمكننا أن نعقل وجوده فى نفسه حال الغفلة عن صدوره عن غيره.
و أيضا: فانا نحكم على ذلك الوجود بأنه صدر عن غيره، و الموضوع غير المحمول. فثبت بهذه الوجوه الثلاثة: أن وجوده فى نفسه غير صدوره عن غيره.
ثم انا فى المسألة المتقدمة بينا أنه اذا كان هو فى نفسه ممكن الوجود، فلا بد له من سبب، و الآن ندعى: أنه متى كان صدوره عن غيره ممكنا، فلا بد له من سبب آخر، و ان الممكن ما لم يكن صدوره عن السبب واجبا، فانه لا يوجد البتة. و الدليل على صحة هذه الدعوى: أن صدوره عن غيره ان كان ممكنا وجب افتقاره الى سبب آخر لما بينا أن كل ممكن فلا بد له من سبب.
فان قيل: لم لا يجوز أن يقال: الشىء الذي استوى طرفاه بالنسبة اليه، فانه لا يرتجح أحد طرفيه على الآخر الا لمرجح، أما اذا وجد سببه فانه لأجل حضور ذلك السبب يترجح وجوده على عدمه، الا أنه لا ينتهى ذلك الرجحان الى الوجوب المانع من النقيض. و لأجل أنه لم ينته الى الوجوب نقول: انه ممكن، و لأجل أنه حصل أصل الرجحان نقول:
انه يستغنى عن سبب.
قلنا: انه متى حصل الرجحان وجب أن يحصل الوجوب، لأنه حال حصول الاستواء كان الرجحان محالا، فاذا صار أحد الطرفين راجحا صار