شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٩ - المسألة الثانية فى تحقيق الكلام فى قولنا الجوهر موجود لا فى موضوع
«أرسطو» ينقصه الدليل. فليس فى كتب المؤرخين الا واحد. و قوله:
«و من يسميه الاسكندر يقول: هو الاسكندر بن دارا» يحتاج الى دليل.
ذلك لأن الاسكندر غلب «دارا» ملك الفرس و هزمه، لا أنه ابن «دارا» و بيان أن القولين لا يدلان على أن «الاسكندر» كان موحدا مؤمنا بالله هو: قوله تعالى:
أ- «قال: أما من ظلم فسوف نعذبه، ثم يرد الى ربه، فيعذبه عذابا نكرا» المراد من ربه: رب هذا الظالم. و قد يكون ربه هو اللّه تعالى، و قد يكون ربه إلها آخر، كان يعبده. و ذلك مثل قول ابراهيم عليه السلام عن الكوكب: «هذا ربى» لالزام الخصوم، و ما كان ربا له فى اعتقاده. و مثل قول اليهودى و النصرانى و المسلم: «ربى» فرب اليهودى و المسلم هو اللّه تعالى، و رب النصرانى هو المسيح، أو المسيح و معه إلهان آخران. فالكلمة واحدة و المعنى بحسب الاعتقاد مختلف، فيكون اللفظ من المتشابه.
ب- و نفس المعنى فى قوله تعالى: «قال: ما مكنى فيه ربى خير» فكلمة «ربى» تحتمل اللّه تعالى و تحتمل الرب الذي كان يعبده ذو القرنين- و هو الاسكندر الأكبر بن فيلبس- و لهذا الاحتمال صارت الكلمة من المتشابه. و محكمها: أن كتب التواريخ أثبتت أن ذى القرنين لما وصل الى بلاد السد، وجدهم يعبدون غير اللّه تعالى، فعبد معهم إلههم، و لما وصل الى مصر عبد مع المصريين إلههم، و لما وصل الى فلسطين عبد مع اليهود إلههم- الذي هو اللّه تعالى- و كان يتقرب الى أهل البلاد التي يفتحها باظهاره الخضوع لمعبوداتهم. أما هو فكان له إله يعرفه فى بلاد اليونان.
و من المحتمل أن يكون هو و أرسطو و سائر اليونانيين على علم بالله تعالى لأن علماء بنى اسرائيل كانوا يطوفون البلاد لنشر دينهم من قبل سبى بابل.
و لما قصروا الدين على جنسهم، صار الدين مشوها عند الأمم.
و لأن نص «ربه» و «ربى» متشابه ينبغى الرد الى المحكم. و المحكم هو ما أثبته المؤرخون. لأن الذين سألوا الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم سألوا ليعرفوا أنه صادق أم لا؟ و هم سيعرفون أنه صادق مما هو مدون فى كتاب التاريخ.
و لما كانت كتب التاريخ تعين واحدا هو الاسكندر الأكبر المقدونى، فانه يكون هو المراد.