شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٣ - المسألة الرابعة فى اثبات أن لكل حركة غاية معينة
قال الشيخ: «موجبات الأشواق التخيلية غير مضبوطة فى الأمور الجزئية. و لا أيضا صحيحة الارتسام فى الذكر، حتى اذا رجع التخيل الى الذكر، صادف غرضا ما فعله، و داعية اليه ثانيا. و من أسباب تلك العادة: أن المعتاد يشتهى، اذا سنح للخيال أدنى مذكر من مناسبة او مقابلة. و بالجملة: شىء ذو نسبة. فان كان العقل منصرفا عن ضبط ذلك الى أمور أخرى حسية أو فكرية و اختلس التخيل فيما بين ذلك اختلاسات، تعذر على الذهن مصادفة السبب فيه، فكانت نسبته اياه الى العبث أشد»
التفسير: قد ذكرنا أن هذا الفعل العبثى، مبدؤه القريب هو القوة الموجودة فى العضلات. و لا شك أن هذا المبدأ حاصل. و أما المرتبة الثانية و هى الارادة و الشوق الى الفعل. فلقائل أن يقول: لا نسلم أن هذه الارادة حاصلة. و ما الدليل على أن الفعل العبثى قد حصل فيه هذا الشوق و الارادة؟ فنقول: ان هذا الشوق و الارادة حاصل فى الفعل (و لو لم يكونا حاصلين) فانه لا تحصل تلك الحركة. و أما المرتبة الثالثة: و هى اعتقاد أن ايجاد ذلك الفعل أولى من تركه. فهذا أيضا حاصل. و هذا الاعتقاد هو الموجب للمرتبة الثانية التي هى الشوق، الا أن هذه الاعتقادات سريعة الطريان و الزوال. و موجباتها أمور غير مضبوطة. و بتقدير أن تكون مضبوطة، الا أن الانسان ينساها سريعا و لا يبقى ذكرها فى الذهن كثيرا.
و لهذا المعنى قال فى «الاشارات»: «حضور ذلك التصور شىء، و العلم بذلك الحضور شىء آخر، و بقاء أثر ذلك الحضور فى الذكر شىء آخر.
و لا يلزم أفكار المرتبة الأولى لفقدان المرتبتين الأخريين» ثم ذكر أن من جملة الاسباب الموجبة لحصول ذلك الشوق الاعتياد. فان الانسان اذا اعتاد شيئا فكلما يذكره اشتاقه. و من جملة الأسباب: أن العقل ربما كان مشغولا بمهم من المهمات. و حينئذ لا يقوى على ضبط القوة المتخيلة، و حينئذ تطالع القوة المتخيلة شيئا من الصور المخزونة فى خزانة الخيال، و حينئذ يحصل اعتقاد أن ذلك الفعل نافع أو لذيذ.
فثبت بمجموع ما ذكرنا: أن الفعل العبثى لم ينفك عن غاية أو غرض.