شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٢ - المسألة الرابعة فى اثبات أن لكل حركة غاية معينة
فيشتاق اليه من حيث التخيل. و أما اذا قيل: العبث انه ليس لغرض.
فمعناه: أنه ليس لفرض عقلى. فالعابث بيده، محركه القريب هو محرك عضل اليد، و يتحرك الى غاية ما، لتلك القوة. عندها تقف. الى غاية ما أخرى للتخيل المستعمل للسوق. و ليس لغاية عقلية»
التفسير: لما بين بالدليل: أن كل فاعل فلا بد له فى فعله من عرض و غاية. أورد على نفسه سؤالا. فقال: يشكل بالعابث. فانه فعل اختيارى و ليس له فيه غاية و غرض. و الجواب عليه: أنا بينا أن الفعل الاختيارى مبدأه القريب القوة الموجودة فى العضلات المحركة للاعضاء، و قبلها القوة الشوقية و هى الرغبة فى جذب النافع أو دفع الضار. و قبل هذه القوة الشوقية: تصور أن ذلك الفعل نافع أو ضار، اما تصورا حاصلا على سبيل الفكر العقلى أو حاصلا على سبيل التخيل الحيوانى الاتفاقى. فهذه المراتب الثلاث لا بد منها- و قد شرحناها فى ما تقدم- اذا عرفت هذا فنقول: الحركة الواقعة على سبيل العبث.
فاعلها القريب: هو القوة الموجودة فى العضلة. و لا شك أن تلك القوة تقتضى حصول تلك الحركة الى حد ما معين. فغاية القوة المحركة: اتصال الجسم الى ذلك الحد المعين. و قد حصلت الغاية بالنسبة الى القوة المحركة و أما المرتبة الثانية: و هى القوة الشوقية فما لم تحصل هذه الارادة و هذا الشوق، الى احداث تلك الحركة الواقعة على سبيل العبث، فان تلك الحركة لا توجد. و غاية هذا الشوق المعين بالارادة المعينة: اتصال ذلك الجسم الى ذلك الحد المعين.
و أما المرتبة الثالثة: و هى المبدأ البعيد. و هى اعتقاد أن ذلك الفعل نافع أو ضار. فهذا أيضا لا بد منه. و قد عرفت أن هذا الاعتقاد تارة يكون فكريا عقليا، و أخرى يكون تخيليا. و مبدأ الفعل العبثى- فى أكثر الأمر- هو هذا الاعتقاد التخيلى، لا الاعتقاد الفكرى. فيكون حصول هذا الفعل العبثى الى الحد المعين غاية للاعتقاد التخيلى، و لا يكون غاية للاعتقاد الفكرى، الا أن الحاصل هاهنا هو الاعتقاد التخيلى، لا الاعتقاد الفكرى.
فثبت بما ذكرنا: أن الفعل العبثى لم يحصل أيضا الا لغاية معينة.