شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٨ - المسألة الثانية فى بيان ان الهيولى لا تعرى عن الصورة النوعية
المسألة الثانية فى بيان ان الهيولى لا تعرى عن الصورة النوعية
قال الشيخ: «فالمادة الجسمانية لا تفارق هذه الصورة. لأنها ان فارقت، فاما أن تكون ذات وضع أو لا تكون. فان كانت ذات وضع و تنقسم فهى بعد جسم. و ان كانت ذات وضع و لا تنقسم، حصل لذى الوضع الغير المنقسم أفراد قوام. و قد بينا: استحالة هذا فى الطبيعيات. و ان لم يكن لها وضع و كانت مثلا مادة نار بعينه فاذا ليست الصورة النارية لم يجب أن تحصل فى موضع بعينه، و لكنها لا يمكن أن تحصل الا فى وضع بعينه»
التفسير: اعلم أنا لما بينا كون الجسم مركبا من الهيولى و الصورة، كان الشروع فى بيان أن الهيولى لا تنفك عن الصورة عبثا، الا أنا لأجل تفسير ما فى هذا الكتاب، نلخص هذا الكلام. فنقول: لو أمكن وجود الهيولى عارية عن الجسمية، لكانت اما أن تكون مشارا اليها بحسب الحس، أو لا تكون كذلك. و القسمان باطلان، فيبطل القول بكون الهيولى عارية عن الجسمية. انما قلنا: انه يمتنع كونها مشارا اليها، لأن ذلك المشار اليه بحسب الحس، اما أن يكون قابلا للقسمة، أو لا يكون.
فان كان الأول فهو الجسم، لا أنه هيولى عارية عن الجسمية، و ان كان الثاني فهو موجود مشار اليه غير منقسم قائم بالنفس. و ذلك هو الجوهر الفرد. و قد أبطلناه. و انما قلنا: انه يمتنع كونها مجردة عن الاشارة.
و ذلك لأن حدوث الجسمية فى الهيولى، اما أن يحصل ذلك الجسم فى كل الأحياز. و هو محال بالبديهية. أو لا يحصل فى شىء من الأحياز، فيكون الجسم حال كونه جسما، غير حال فى شىء من الأحياز. و هو أيضا محال بالبديهة. أو يحصل فى حيز معين. و ذلك أيضا محال. لأن نسبة الجسمية الى جميع الأحياز على السوية. فلو حصل ذلك الجسم فى حيز معين، لكان ذلك رجحانا لأحد طرفى الممكن على الآخر من غير مرجح. و هو محال.