شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٩ - المسألة الثانية فى بيان ان الهيولى لا تعرى عن الصورة النوعية
و لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يقال: الفاعل المختار خصصه بحيز معين بمجرد القصد و الارادة. و حينئذ يرجع الكلام فى هذه المسألة، الى أنه هل يصح القول بوجود الفاعل المختار أم لا؟ ثم نقول: هذه الهيولى و ان فرضناها خالية عن الصورة الجسمية، فلعلها كانت موصوفة بأحوال أخرى و أعراض أخرى، و كانت الحالة توجب حصول هذه الهيولى فى الحيز المعين، بشرط اتصافها بالجسمية. فاذا حدثت الجسمية صارت تلك الحالة موجبة لحصول ذلك الجسم فى ذلك الحيز المعين. و ليس فى هذا الكلام شىء أزيد من أن يقال: الموجب لذلك الاختصاص: كان حاصلا قبل حدوث صورة الحجمية، الا أن تأثيرها فى ذلك المعلول كان موقوفا على شرط. أ لا ترى أن الطبيعة توجب الحركة بشرط أن يكون الجسم حاصلا فى المكان القريب، و توجب السكون بشرط أن يكون الجسم حاصلا فى المكان الطبيعى. فكذا هنا.
قال الشيخ: «و أما اذا كانت ماء ثم استحالت هواء، تعين لها ذلك الموضع. لأنها اذا كانت ما كانت هناك، و انما ليست الصورة الهوائية أو النارية. و هى ذات موضع»
التفسير: هنا سؤال يذكر على ذلك الدليل. و هو أن يقال: هب أن لكل كلية عنصرية [٦] مكانا طبيعيا. الا أن الجزء المعين من كل عنصر، ليس له مكان طبيعى، بل نسبته الى جميع أجزاء حيز الكل بالسوية. ثم مع هذا فقد حصل فى موضع معين. و اذا عقل هذا. فلم لا يعقل أن يقال: ان هيولى الجسمية تكون نسبتها الى جميع الأحياز على السوية. ثم مع ذلك تختص بحيز معين؟ و أجاب عنه: بأن كل صورة مسبوقة بصورة أخرى، و المادة حين كانت موصوفة بالصورة السابقة كانت مختصة بحيز معين، و لا يبعد أن تكون تلك الأحوال السابقة أسبابا لبعض الحيز بعد حدوث هذه الصورة الحادثة، بخلاف ما اذا حدثت الصورة الجسمية ابتداء، فانه لم توجد قبل حدوثها حالة تقتضى تعين هذا الموضع. فظهر الفرق.
[٦] عنصر: ص.