شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٧٠ - المسألة الرابعة فى ضبط المعرفة التي بها تكمل السعادة الانسانية
و وقف النظر على جلال الحق الأول، و مطالعته مطالعة عقلية. و الاطلاع على أن الكل من قبله ليكون صورة الكل بتصور النفس الناطقة بلحظها.
و هى مشاهدة ذات الأحد الحق من غير فتور و لا انقطاع مشاهدة عقلية.
و الحق ولى تسهيل سبيلنا اليها. انه سميع مجيب»
التفسير: الانسان يشارك النبات و الحيوان بأكله و شربه و دفاعه، و يشارك سائر الحيوانات بشهوته و غضبه و حبه للاستعلاء. و يمتاز عنهما بأسرهما فى كونه عارفا بحقائق الأشياء محيطا بها مطلعا عليها. و بدائه العقول السليمة شاهدة بأن الانسان أشرف من الجمادات و النباتات و سائر الحيوانات. فاذا كان هو أشرف من غيره بكونه انسانا و هو أنه انما كان انسانا بهذه المعرفة، وجب أن يكون هذا العرفان أشرف مما عداه. و اذا ثبت هذا فنقول: اما معرفة هذه الجسمانيات على سبيل الجزئى فخسيسة.
لأن أحوال هذه الجسمانيات زائلة، و متى كانت زائلة كان العلم بها زائلا.
و الكمال الذي يكون على شرف الزوال خسيس. و أيضا: شرف العلم بشرف المعلوم. و كلما كان المعلوم أشرف كان العلم به أشرف. و الحق سبحانه أشرف المعلومات، فتكون معرفته أشرف المعارف. الا أن هذه المعارف الالهية انما تقوى عند خلو النفس الناطقة عن الالتفات الى ما سواها. فأما اذا التفتت الى ما سواها ضعفت تلك المعارف الالهية فى الجلال و الاشراق و اللمعان. و هذه الأحوال لا سبيل الى الوصول اليها الا بالتجربة و الامتحان. و اذا عرفت ذلك ثبت: أن أول مراتب السعادة الانسانية (هو) الانقطاع بالجملة عن ملاحظة هذه الخسائس.
و أما آخر مراتب هذه السعادة و غايتها: فهو وقت النظر الى جلال الحق الأول و مطالعته مطالعة عقلية، مبرأة عن امتزاج أحكام الوهم و الخبال. و المراد من قولهم: وقف النظر على جلال الحق الأول: أنه ثبت أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة كنه حقيقة الحق سبحانه، بل لا معلوم عندهم من الحق سبحانه الا السلوب و الاضافات. أما السلوب فاليها الاشارة بقوله فالجلال. و أما الاضافة فاليها الاشارة بقوله: و الاطلاع.