شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٣ - المسألة الثالثة فى تمييز الماهية عن لواحقها
قال الشيخ: «و هو المعنى فى الجنس اظهر لأنه ليس يمكن أن يحصل هذا المعنى الجنسى بالفعل، الا و قد صار نوعا. و انما صار نوعا لزيادة اقترنت به ليس لذاته، و تلك الزيادة شرط زائد وجودى أو عدمى»
التفسير: لما بين أن الانسان من حيث انه انسان مفهومه مغاير للوحدة و الكثرة و التعين و الاشتراك، صار حاصل هذا الكلام أن تعين الشخص المعين أمر زائد على ماهيته، و أن ذلك الزائد انما انضاف الى تلك الماهية بسبب منفصل. فقال هنا: و هذا المعنى فى الجنس أظهر.
و ذلك لأنا قلنا: الطبيعة النوعية أمر مشترك فيها بين الأشخاص المختلفة، فيلزم أن تكون تلك الطبيعة مغايرة لتعين كل شخص. فكذا هنا الطبيعة الجنسية أمر مشترك فيها بين الأنواع المختلفة، فيلزم أن تكون تلك الطبيعة مغايرة للأمر الذي به يمتاز كل نوع عن الآخر. و انما حكم بأن هذا المعنى فى الجنس أظهر، و ذلك لأن القول بأن تعين كل متعين زائد على ماهيته، فيه سؤالات صعبة. و أما القول بأن الفصل الذي به يمتاز أحد النوعين عن الآخر، فلا بد و أن يكون زائدا على الطبيعة الجنسية التي تشاركت الأنواع فيها، أمر معلوم بالبديهة. و ليس فيها شىء من تلك السؤالات الصعبة. و لهذا السبب قال: و هذا المعنى فى الجنس أظهر.
اذا عرفت هذا المعنى، فنقول: هنا بحثان:
البحث الأول: أن المعنى الذي به يمتاز أحد النوعين عن الآخر، يحتمل فى أول العقل أن يكون أمرا وجوديا، و أن يكون عدميا. الا أن البحث المستقصى دل على أنه يمتنع أن يكون عدميا. لأن الفصل جزء من ماهية النوع، و العدم لا يكون جزءا من ماهية الوجود.
البحث الثاني: هو أن طبيعة الجنس ان كانت لذاتها أو لشىء من لوازم ذاتها، تقتضى ذلك الفصل المعين، لزم أن لا تنفك تلك الطبيعة الجنسية عن ذلك الفصل المعين، و حينئذ لا يحصل ذلك الجنس الا فى ذلك الفصل، لا فى ذلك النوع. و ذلك يقدح فى كونه جنسا. و ان لم تكن تلك الطبيعة مقتضية لذلك الفصل المعين، لا لذاتها و لا لشىء من لوازم