أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٥٦ - أخباره
ولما أتت فسطاط مصر أجارها * على ركبها أن لا تزال مجير من القوم بسام كان جبينه * سنا الفجر يسري ضوؤه وينير زها بالخصيب السيف والرمح في الوغى * وفي السلم يزهو منبر وسرير جواد إذا الأيدي كففن عن الندى * ومن دون عورات النساء غيور له سلف في الأعجمين كأنهم * إذا استؤذنوا يوم السلام بدور وإني جدير إذ بلغتك بالمنى * وأنت بما أملت منك جدير فان تولني منك الجميل فأهله * وإلا فاني عاذر وشكور وهذا من أكاذيب الشعراء، يقول هذا وفي نفسه:
فان تولني مالا سلمت من الهجا * وإلا فهجوي ما بقيت كثير ومع إنه أولاه الجميل فلم يعذر ولم يشكر وهجاه كما يأتي. قال ابن منظور: ولما قال أبو نواس:
ذريني أكثر حاسديك برحلة * إلى بلد فيه الخصيب أمير قال له الخصيب إذن يكثر حسادها وتبلغ أملها وأمر له بألف دينار.
وقال يمدح الخصيب أيضا:
لم تدر جارتنا ولا تدري * إن الملامة إنما تغري هبت تلومك غير عاذرة * ولقد بدا لك أوسع العذر واستبعدت مصرا وما بعدت * أرض يحل بها أبو نصر ولقد وصلت بك الرجاء ولي * مندوحة لو شئت عن مصر وكذاك نعم السوق أنت لمن * كسدت عليه تجارة الشعر أنت المبرز يوم سبقهم * أن الجواد بعرفه يجري علم الخليفة أن نعمته * حلت بساحة طيب النشر كاف إذا عصب الأمور به * ماضي العزيمة جامع الأمر فانقع بسيبك غلة نزحت * بي عن بلادي وارتهن شكري وقال يمدح الخصيب أمير مصر أيضا:
ذكر الكرخ نازح الأوطان * فصبا صبوة ولات أوان ليس لي مسعد بمصر على الشوق * إلى أوجه هناك حسان نازلات من السراة فكرخا * يا إلى الشط ذي القصور الدواني إذ لباب الأمير صدر نهاري * ورواحي إلى بيوت القيان واعتمالي الكؤوس في الشرب تسعى * مترعات كخالص الزعفران يا ابنتي أبشري بميرة مصر * وتمني وأسرفي في الأماني أنا في ذمة الخصيب مقيم * حيث لا تعتدي صروف الزمان كيف أخشى علي غول الليالي * ومكاني من الخصيب مكاني قد علقنا من الخصيب حبلا * أمنتنا طوارق الحدثان كل يوم علي منه سماء * ثرة تستهل بالعقيان وإذا هزه الخليفة للجلى * مضاها كالصارم الهندواني قادني نحوك الرجاء فصدقت * رجائي واخترت حمد لساني إنما يشتري المحامد حر * طاب نفسا لهن بالأثمان وقال يمدح الخطيب أيضا وهي القصيدة التي مدحها المرتضى في الأمالي بأحسن مدح كما مر في أقوال العلماء فيه:
يا منة أمنتها السكر * ما يقتضي مني لها الشكر أعطتك فوق مناك من قبل * من قيل أن مرامها وعر يثني إليك بها سوالفه * رشا صناعة عينه السحر ظلت حميا الكاس تبسطنا * حتى تهتك بيننا الستر في مجلس ضحك السرور به * عن ناجذيه وحلت الخمر ثم قال في وصف الناقة:
ولقد تجوب بي الفلاة إذا * صام النهار وقالت العفر شدنية رعت الحمى فاتت * ملء الحبال كأنها قصر تثني على الحاذين ذا خصل * تعماله الشذران والخطر أما إذا رفعته شامذة * فتقول رنق فوقها نسر أما إذا وضعته خافضة * فتقول إرخي دونها ستر وتسف أحيانا فتحسبها * مترسما يقتاده إثر فإذا قصرت لها الزمام سما * فوق المقادم ملطم حر فكأنها مصغ لتسمعه * بعض الحديث باذنه وقر ثم تخلص إلى المدح فقال:
يرمي إليك بها ذوو أمل * عتبوا فاعتبهم بك الدهر أنت الخصيب وهذه مصر * فتدفقا فكلاكما بحر لا تقعدا بي عن مدى أملي * شيئا فما لكما به عذر ويحق لي إذ صرت بينكما * أن لا يحل بساحتي فقر قال ابن منظور: فقال له الخصيب إذن لا يخيب أملك ولا ينقطع مرادك ثم أمر له بألف دينار أخرى قال وكان أهل مصر قد شنعوا على
حلت الخمر وكانت حراما * وبلأي ما المت تحل وذكر المرتضى وجها آخر وهو انه أراد ان طيب الموضع وتكامل السرور به صار مقتضيا لشربها.
[٢] قال الشريف المرتضى في الأمالي: صام وقف وذلك له بالامتداد والطول (وقال) من القائلة وهي نصف النهار (والعفر) الظباء اللوائي في ألوانها حمرة يخالطها كدرة (انتهى).
[٣] الشدنية من الإبل منسوبة إلى شدن موضع باليمن يقال لمبكه ذو شدن.
[٤] الحاذين تثينة حاذ وهو مؤخر الفخذ (وتعماله) عمله (والشذران) رفع الناقة ذنبها من المرح (والخطر) الاختيال.
[٥] قال المرتضى في الأمالي (شامذة) اي مبالغة في رفع ذنبها ويقال (رتق) الطائر إذا نشر جناحيه طائرا من غير تحريك (انتهى).
[٦] نسف اي تدني رأسها من الأرض من اسف الطائر إذا طار قريبا من الأرض (والمترسم) متتبع الرسم ومتأمله قال المرتضى: يقال اثر واثر وإثر ثلاث لغات - يعني بضم الهمزة وفتحها وكسرها - قال وقد وهم الصولي في تفسير هذا البيت لأنه قال إن أبا نواس جمع الأثر آثارا ثم جمع الآثار اثرا ثم خفف فقال اثر وليس يحتاج إلى ما ذكره مع ما أوردناه وانما ذهب عليه أنه قال في الأثر إثر.
[٧] قال المرتضى في الأمالي عند ذكر قول ذي الرمة:
تصغي إذا شدها بالكور جانحة * حتى إذا ما استوى في غرزها تثب (تصغي تميل رأسها كأنها تستمع ليست بنفور بل مؤدبة مقومة قال: وقد اخذ هذا المعنى أبو نواس فأحسن نهاية الاحسان فقال يصف الناقة في مدحه للخصيب بن عبد الحميد (فكأنها مصغ) (البيت) فلم يرض بان وصفها بالاصغاء حتى وصفها بالوقر وهو الثقل في الاذن لان الثقيل السمع يكون اصغاؤه وميله إلى جهة الحديث أشد وأكثر (انتهى) - المؤلف -.