أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٩ - ابتداء دولته
نوح يعرفه أن أبا علي لم يصدق في الحرب وانه مالا ركن الدولة فاغتاظ نوح من أبي علي وأما ركن الدولة فإنه لما حاد عنه أبو علي سار نحو وشمگير فانهزم وشمگير من بين يديه إلى أسفراين واستولى ركن الدولة على طبرستان. وعزل نوح أبا علي عن خراسان فكاتب ركن الدولة في المصير إليه فاذن له. وفيها عاد رسل كان أرسلهم الخليفة إلى خراسان للصلح بين ركن الدولة ونوح صاحب خراسان فلما وصلوا إلى حلوان خرج عليهم ابن أبي الشوك في أكراده فنهبهم ونهب القافلة وأسر الرسل ثم أطلقهم وفي سنة ٣٤٣ سار أبو علي بن محتاج إلى الري فلقيه ركن الدولة وأكرمه وأقام الأنزال والضيافة له ولمن معه وطلب أبو علي أن يكتب له عهد من الخليفة بولاية خراسان فأرسل ركن الدولة إلى معز الدولة في ذلك فسير له عهدا بما طلب وسير له نجدة من عسكره فسار أبو علي إلى خراسان واستولى على نيسابور وخطب للمطيع بها وبما استولى عليه من خراسان ولم يكن يخطب له بها قبل ذلك ثم مات نوح وولي بعده ابنه عبد الملك فسير من بخاري بكر بن مالك إلى خراسان وقدمه على جيوشها فتفرق عن أبي علي أصحابه فاضطر إلى الهرب فسار نحو ركن الدولة فأنزله معه بالري، وفيها سار ركن الدولة إلى جرجان ومعه أبو علي بن محتاج فدخلها بغير حرب وانصرف وشمگير عنها إلى خراسان، وفيها خطب بمكة والحجاز لركن الدولة ومعز الدولة وولده عز الدولة بختيار وبعدهم لابن طغج صاحب مصر. وفي سنة ٣٤٤ خرج عسكر خراسان إلى الري وبها ركن الدولة فكتب إلى أخيه معز الدولة يستمده فأمده بعسكر وسير من خراسان عسكر آخر إلى أصفهان وبها الأمير بويه بن ركن الدولة فخرج بويه بالخزائن والحرم ولحقه مقدم العسكر الخراساني فاخذ الخزائن وسار في أثر بويه فاتصل بهم أبو الفضل بن العميد في تلك الساعة وبفضل صبره وتدبيره استنقذ الخزائن وهزم الخراسانين وأعاد أولاد ركن الدولة وحرمه إلى أصبهان واستنقذ أمواله كما مر تفصيله في ترجمة بويه ثم أن ركن الدولة راسل بكر بن مالك صاحب جيوش خراسان واستماله فاصطلحا على مال يحمله ركن الدولة إليه يكون الري وبلد الجبل بأسره مع ركن الدولة وأرسل ركن الدولة إلى أخيه معز الدولة يطلب خلعا ولواء بولاية خراسان لبكر بن مالك فأرسل إليه ذلك لأن الخليفة كان سخيا بمثل هذه الألوية والخلع وفي سنة ٣٤٥ وقعت فتنة بأصبهان بين أهلها وأهل قم بسبب المذاهب فأهل قم شيعة وأهل أصبهان بخلافهم وقتل بينهم قتلى ونهب أهل أصبهان أموال التجار من أهل قم فبلغ الخبر ركن الدولة فغضب لذلك وأرسل إليها فطرح على أهلها مالا كثيرا. وفي سنة ٣٤٩ سار ركن الدولة من الري إلى جرجان فلقيه الحسن بن الفيرزان وابن عبد الرزاق فوصلهما بمال جليل وفي سنة ٣٥١ في المحرم سار ركن الدولة إلى طبرستان وبها وشمگير فنزل على مدينة سارية فحصرها. وفي سنة ٣٥٥ وقع قتال بين إبراهيم بن المرزبان وأبي القاسم بن مسيكي فانهزم إبراهيم حتى وصل إلى الري إلى ركن الدولة فأكرمه ركن الدولة وأحسن إليه وكان زوج أخت إبراهيم فبالغ في إكرامه لذلك وأجزل له الهدايا والصلات. وفيها في رمضان خرج من خراسان جمع عظيم يبلغون عشرين ألفا إلى الري بنية الغزاة فبلغ خبرهم إلى ركن الدولة وكثرة جمعهم وما فعلوه في أطراف بلاده من الفساد وإن رؤساءهم لم يمنعوهم عن ذلك فأشار عليه الأستاذ أبو الفضل بن العميد وهو وزيره بمنعهم من دخول بلاده مجتمعين فقال لا تتحدث الملوك إنني خفت جمعا من الغزاة فأشار عليه بتأخيرهم إلى أن يجمع عسكره وكانوا متفرقين في أعمالهم فلم يقبل منه فقال له أخاف أن يكون لهم مع صاحب خراسان مواطاة على بلادك ودولتك فلم يلتفت إليه فلما وردوا الري اجتمع رؤساؤهم وفيهم القفال الفقيه وحضروا مجلس ابن العميد وطلبوا مالا ينفقونه فوعدهم فاشتطوا في الطلب وقالوا نريد خراج هذه البلاد جميعها فإنه لبيت المال وقد فعل الروم بالمسلمين ما بلغكم واستولوا علي بلادهم وكذلك الأرمن ونحن غزاة وفقراء وأبناء سبيل فنحن أحق بالمال منكم وطلبوا جيشا يخرج معهم واشتطوا في الاقتراح فعلم ابن العميد حينئذ خبث سرائرهم وتيقن ما كان ظنه فيهم فرفق بهم وداراهم فعدلوا عنه إلى مشاتمة الديلم ولعنهم وتكفيرهم ثم قاموا عنه وشرعوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسلبون العامة بحجة ذلك ثم أنهم أثاروا الفتنة وحاربوا جماعة من الديلم إلى حجز بينهم الليل ثم باكروا القتال ودخلوا المدينة ونهبوا دار الوزير ابن العميد وجرحوه وسلم من القتل وخرج ركن الدولة إليهم في أصحابه وكان في قلة فهزمه الخراسانية فلو تبعوه لأتوا عليه وملكوا البلد منه لكنهم عادوا عنه لأن الليل أدركهم فلما أصبحوا راسلهم ركن الدولة ولطف بهم لعلهم يسيرون من بلده فلم يفعلوا وكانوا ينتظرون مددا يأتيهم من صاحب خراسان فإنه كان بينهم مواعدة على تلك البلاد ثم إنهم اجتمعوا وقصدوا البلد ليملكوه فخرج ركن الدولة إليهم فقاتلهم وأمر نفرا من أصحابه أن يسيروا إلى مكان يراهم ثم يثيروا غبرة شديدة ويرسلوا إليه من يخبره أن الجيوش قد أتته ففعلوا ذلك وكان أصحابه قد خافوا لقلتهم وكثرة عدوهم فلما رأوا الغبرة وأتاهم من أخبرهم أن أصحابهم لحقوهم قويت نفوسهم وقال لهم ركن الدولة احملوا على هؤلاء لعلنا نظفر بهم قبل وصول أصحابنا فيكون الظفر والغنيمة لنا فكبروا وحملوا حملة صادقة فكان لهم الظفر وانهزم الخراسانية وقتل منهم خلق كثير وأسر أكثر ممن قتل وتفرق الباقون فطلبوا الأمان فآمنهم ركن الدولة وكان قد دخل البلد جماعة منهم يكبرون كأنهم يقاتلون الكفار ويقتلون كل من رأوه بزي الديلم ويقولون هؤلاء رافضة فبلغهم خبر انهزام أصحابهم وقصدهم الديلم ليقتلوهم فمنعهم ركن الدولة وأمنهم وفتح لهم الطريق ليعودوا ووصل بعدهم نحو ألفي رجل بالعدة والسلاح فقاتلهم ركن الدولة فهزمهم وقتل فيهم ثم أطلق الأسارى وأمر لهم بنفقات وردهم إلى بلادهم وكان إبراهيم بن المرزبان عند ركن الدولة فاثر فيهم آثار حسنة.
مكرمة لركن الدولة قال ابن الأثير في حوادث سنة ٣٥٥ فيها عاد إبراهيم بن المرزبان إلى أذربيجان واستولى عليها وكان سبب ذلك أنه لما قصد ركن الدولة على ما ذكرنا وجهز العساكر معه وسير معه الأستاذ أبا الفضل بن العميد ليرده إلى ولايته ويصلح له أصحاب الأطراف فسار معه إليها واستولى عليها وأصلح له جستان بن شرمزن وقاده إلى طاعته وغيره من طوائف الأكراد ومكنه من البلاد وكان ابن العميد لما وصل إلى تلك البلاد ورأى كثرة دخلها وسعة مياهها ورأى ما يتحصل لإبراهيم منها فوجده قليلا لسوء تدبيره وطمع الناس فيه لاشتغاله بالشرب والنساء فكتب إلى ركن الدولة يعرفه الحال ويشير بان يعوضه من بعض ولايته بمقدار ما يتحصل له من هذه البلاد ويأخذها منه فإنه لا يستقيم له حال مع الذين بها وإنها تؤخذ منه فامتنع ركن الدولة من قبول ذلك وقال لا يتحدث الناس عني إني استجار بي إنسان وطمعت فيه وأمر أبا الفضل بالعود عنه وتسليم البلاد إليه ففعل وعاد حكى لركن الدولة صورة الحال وحذره خروج البلاد من يد إبراهيم وكان الأمر كما ذكره حتى أخذ إبراهيم وحبس.