العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٣٧ - وفود الشعراء على عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه
يا أيها الرّجل المرخي عمامته # هذا زمانك إنّي قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه # أني لدي الباب كالمصفود في قرن [١]
وحش المكانة من أهلي و من ولدي # نائي المحلّة عن داري و عن وطني
قال: نعم أبا حزرة و نعمى عين. فلما دخل على عمر قال: يا أمير المؤمنين، إن الشعراء ببابك؛ و أقوالهم باقية؛ و سنانهم مسنونة. قال: يا عون، مالي و للشعراء؟قال:
يا أمير المؤمنين، إن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قد مدح و أعطى، و فيه أسوة لكل مسلم. قال: و من مدحه؟قال: عباس بن مرداس؛ فكساه حلّة قطع بها لسانه. قال: و تروي قوله؟ قلت: نعم:
رأيتك يا خير البريّة كلّها # نشرت كتابا جاء بالحقّ معلما
و نوّرت بالبرهان أمرا مدمّسا # و أطفأت بالبرهان نارا مضرّما [٢]
فمن مبلغ عنيّ النبيّ محمدا # كلّ امرئ يجزي بما قد تكلما
تعالى علوا فوق عرش إلهنا # و كان مكان اللّه أعلى و أعظما
قال: صدقت؛ فمن بالباب منهم؟قال: ابن عمك عمر بن أبي ربيعة. قال: لا قرّب اللّه قرابته، و لا حيّا وجهه!أ ليس هو القائل؟
ألا ليت أنّي يوم حانت منيّتي # شممت الذي ما بين عينيك و الفم
وليت طهوري كان ريقك كله # وليت حنوطي من مشاشك و الدم [٣]
و يا ليت سلّمى في القبور ضجيعتي # هنالك أو في جنة أو جهنّم
فليته و اللّه تمنى لقاءها في الدنيا، و يعمل عملا صالحا. و اللّه لا دخل عليّ أبدا فمن بالباب غير من ذكرت؟قلت: جميل بن معمر العذري. قال: هو الذي يقول:
ألا ليتنا نحيا جميعا و إن نمت # يوافي لدى الموتى ضريحي ضريحها
[١] المصفود في قرن: المقيّد بالقيود.
[٢] مدمّسا: مظلما و مضرّما: موقدا.
[٣] الحنوط: ما يحنّط به الميت و المشاشة: رأس العظم اللين الذي يمكن مضغه.