العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٢٥ - للحارث بن هشام في الفرار
يفرّ جبان القوم عن أمّ نفسه # و يحمي شجاع القوم من لا يناسبه
و يرزق معروف الجواد عدوّه # و يحرم معروف البخيل أقاربه [١]
و قال خالد بن الوليد عند موته: لقد لقيت كذا و كذا زحفا، و ما في جسمي موضع شبر إلا و فيه ضربة أو طعنة أو رمية؛ ثم ها أنا ذا أموت حتف نفسي كما يموت العير [٢] ؛ فلا نامت أعين الجبناء.
للفرار السلمي في الفرار
و من أشعار الفرّارين الذين حسّنوا فيها الفرار على قبحه حتى حسن، قول الفرّار السلمي [٣] :
و كتيبة لبّستها بكتيبة # حتى إذا التبست أملت بها يدي [٤]
و تركتهم تقص الرماح ظهورهم # من بين مقتول و آخر مسند [٥]
هل ينفعنّي أن تقول نساؤهم # و قتلت دون رجالها: لا تبعد
للحارث بن هشام في الفرار
و قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: ما اعتذر أحد من الفرّارين بأحسن مما اعتذر به الحارث بن هشام حيث يقول:
اللّه يعلم ما تركت قتالهم # حتى رموا مهري بأشقر مزبد
و علمت أنّي إن أقاتل واحدا # أقتل و لا يضرر عدوّي مشهدي
فصدفت عنهم و الأحبّة فيهم # طمعا لهم بعقاب يوم مرصد [٦]
و هذا الذي سمعه صاحب رتبيل فقال: يا معشر العرب، حسّنتم كلّ شيء فحسن حتى الفرار.
[١] معروف الجواد: أي كرمه.
[٢] العير: الحمار.
[٣] هو حيان بن الحكم شاعر مخضرم صحابي، كان صاحب راية بني سليم يوم الفتح.
[٤] لبستها: أي خلطتها، و نفضت لها يدي: كناية عن الاعراض عنها.
[٥] تقص: تكسر و تقصم.
[٦] صدفت عنهم: أعرضت عنهم.